Qantara

التطريز

في العالم الإسلامي

شهد التطريز حالة نمو وازدهار واسعة النطاق في العالم الإسلامي. ويُمارس هذا الفن بواسطة إبرة وقطعة قماش تُمد على طارة التطريز أو إطار مائل. وقد يكون الخيط المستعمل في هذه العملية خيطاً قطنياً، أو صوفياً أو حريرياً كما تستخدم خيوط الذهب والفضة. إلى جانب الخيوط تستعمل اللآلئ والأحجار الكريمة في التطريز. وتُقسم الدرزات التي تزين القماش المطرز إلى أربع فئات: لدينا في الفئة الأولى الدرزات المستقيمة التي تحدد الخطوط البسيطة. ثم تبرز الدرزات المتشابكة مثل الدرزة الصليبية الشكل والدرزة المثبتة. أمّا بالنسبة إلى الدرزات الملفقة فهي تعمل على تغطية المساحات الفارغة. وضمن هذه الفئة نجد الدرزة الملفقة المتقاربة التي غالباً ما استخدمت في المغرب لملء الفراغات. كما نذكر "التطريز اليدوي" أو "الدرزة المنسلة" التي تنفذ فوق حشوة للحصول على بعض النتوءات، إشارة إلى أن هذه هي التقنية التي تم اعتمادها لتطريز معظم الأقمشة المخملية خلال القرن التاسع عشر بواسطة السلك المعدني. وتسمى الفئة الأخيرة الدرزات المشبوكة مثل درزة السلسلة التي زين بها الأتراك والجزائريون زخارفهم. وغالباً ما تتولى النساء في بيوتهن أعمال التطريز التي تفترض القليل من المواد لكن الكثير من الصبر. في المقابل يتولى الرجال أعمال التطريز بواسطة الأسلاك الحديدية في المشاغل.

هذا وقد أصبح الشرق وآسيا القديمة مهد التطريز وأتت أعمال التنقيب الأثرية في سوريا وبلاد الرافدين لتؤكد صحة هذه الفرضية. فعند غزوة طيسفون في العام 637 خالطت سجادة ضخمة مطرزة بالإبرة، خَيال العرب وهي سجادة  "بهار خسرو" أي ربيع خسرو التي صوّرت بواسطة الأحجار الكريمة عجائب الدولة الفارسية. وكان الخليفة المنتصر بن المتوكل قد شعر بحتمه القريب بفضل سجادة مزينة بالمفاتيح المكتوبة باللغة الفارسية والصور المطرزة. وخلال القرون الوسطى اعتبر التطريز في الغرب وكأنه ميزة يُعنى بها العالم الإسلامي على الرغم من شيوعه خلال الحقبة البيزنطية. فكلمة "رقّام" التي تعني المطرّز باللغة العربية دخلت اللغة اللاتينية القروسطية ومن هنا أتى الفعل recamare أي "طرّز" والفعل ricamare في اللغة الإيطالية وrecamar باللغة الإسبانية. ومن بين الأعمال الأولى تُنسب أعمال التطريز ذات النقوش المطرزة التي تحمل اسم الخليفة العباسي المكتفي (902 – 908) إلى العراق حيث يبرز التطريز على القماش القطني الأبيض فيما تنسب الأعمال المطرزة على الكتان إلى مصر. وتثبت هذه المطرزات أن مشاغل الدولة كانت تعتمد هذه التقنية إشارة إلى أن اليد العاملة كانت ذكورية. ويكمن العامل الآخر الذي أسهم في الربط ما بين التطريز والعالم الإسلامي في الاستخدام المكثف لخيوط الذهب والفضة في الحقبتيْن الفاطمية والأموية في قرطبة. وفي إطار احتفال افتتاح القناة في القاهرة خلال القرن الحادي عشر أفاد الرحالة ناصر بن خسرو أن الملابس والأزياء والمكملات كانت مطرزة بخيوط الذهب أيضاً. ومن جانبه، أشار ابن زُلاق إلى أنه خلال موسم الحج يتم استخدام قطعة من القماش المطرزة بخيوط الذهب والأحجار الكريمة: فكان يتم إمّا إرسال "الشمس" إلى مكة أو رفعها فوق القصر، فيصبح الخليفة الفاطمي قطب أمة المؤمنين. 

وفي الوقت عينه في مصر قامت خلافة قرطبة بتنفيذ أعمال التطريز في مشاغل الطراز التابعة لها. إن "كفن أوتون" الذي استُعمل في إسبانيا لتغطية ذخائر القديس لعازر هو نسيج حريري مميز ذو خلفية زرقاء مزدانة بالرصائع المطرزة التي تتحدث عن وسائل التسلية والترفيه التي تمارسها الطبقة الحاكمة. وصُنع هذا النسيج الحريري في الأندلس قرابة العام 1007 وذلك لمكافأة عبد الملك ابن المنصور، علماً بأنه يمكننا مقارنته يإحدى المطرزات الحريرية والمذهبة المحفوظة في كنيسة أونيا في إسبانيا. وفي مرحلة لاحقة، صُنعت حلة الكاهن التي ارتداها توماس بيكيت ونجدها في كاتدرائية فيرمو (إيطاليا) في ألميريا خلال العام 1116، وهي تحاكي العمليْن السابقيْن من حيث التقنية ومجموعة الأيقونات والصور التي تتسم بطابع بروجي. وتشكل هذه الأعمال النسيجية الثلاثة خير دليل على قدرة صناعة التطريز على تطوير الزخارف المليئة بالمعاني والإرتقاء بالأقمشة التي تحتضنها إلى مصافي الأغراض المقدسة، ويبدو أن العالم المسيحي سريع التأثر بهذه العوامل والعناصر. فيتعين علينا إنطلاقاً من هذا المنظور تحديد الأنسجة الحريرية المطرزة بالزخارف الآتية من صقلية. وفي المقام الأول يمكننا الحديث عن عباءة تتويح الملك النورماندي روجيه الثاني التي صنعت في باليرمو في العام 1133 (فيينا، متحف تاريخ الفن)، إذ تغطي نقوش استعطافية بالخط الكوفي أطراف العباءة التي يزين جانبيها أسد يصرع جملاً. كما ترتبط هذه التحفة الفنية المطرزة بخيوط الذهب والفضة وخمسة آلاف لؤلؤة بالفن الإسلامي بشكل وثيق. وفي هذا الإطار لا بد لنا من القول إن شكل العباءة نصف الدائري، والترف والتقنية المعتمدة في تطريزها تجسد خصائص المشلح الطقسي الذي اشتهرت دول أوروبا المسيحية بصناعته مع المحافظة على الطابع الشرقي لغاية القرن السادس عشر ولا سيما في جنوب ألمانيا، وإسبانيا وإيطاليا.

وعلى صعيد آخر، يبدو أن المد للشعوب التركية الذي سجل ارتفاعاً حاداً في دول حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقية مثل السلاجقة، والمماليك ومن ثم العثمانيين لم يكن بعيداً عن الازدهار الذي عرفته صناعة النسيج التي مالت شيئاً فشيئاً إلى الحلول بدلاً من الزخارف المحاكة. وبدا هذا الميل جلياً في مصر اعتباراً من الحقبة الأيوبية (1171 – 1250) حيث تخلت الأنسجة الكتانية عن إدماج المسدى وانتقلت إلى التطريز أو جمع قطع من الأنسجة الحريرية المطرزة. أمّا في لبنان وخلال الحقبة المملوكية فيبدو واضحاً الأثر التركماني في الزخارف الهندسية التي زينت القمصان المقدمة المطرزة والمكتشفة في مغارة قاديشا. هذا وقد خاطت النساء هذه القمصان ذات التطريزات الحريرية والقطنية قرابة العام 1300، وهي تحاكي بعض الملابس التي يرتديها أهل القرى في سوريا وفلسطين اليوم.

وفي القرن السادس عشر، أدى التوسع العثماني في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط إلى نشر صناعة التطريز وتقاطع الثقافات. ففي إسطنبول مثلاً احتضنت الأمتعة المنزلية كافة كأغطية الخوان، والبسط، وأغطية الأسرة، وبقج الخبز، ومناشف الحمام التطريزات وسرعان ما شاع هذا الأسلوب. فكانت الأوشحة (التي تسمى تنشيفة) وقطع الستائر التي قامت النساء الجزائريات بتطريزها خلال القرنيْن السابع عشر والثامن عشر وليدة هذه الحركة. وتتألف زينة هذه الأعمال المصنوعة من الأنسجة الحريرية المتعددة الألوان التي تزين إيتامين الكتان الخام من تويجات متموجة، وزهيرات وسيقان تتعانق وتتشابك. وفي حال طبعت الألوان ولا سيما الأزرق والأحمر والتقنية المعتمدة أعمال التطريز في إسطنبول وزينت سوزني المصنوعة في بُخارى، يبدو أن مصطلحات التزيين تستمد جذورها من الأقمشة المخملية الإيطالية والإسبانية السائدة في عصر النهضة التي غالباً ما تذكرنا بالأعمال العثمانية. أمّا أقدم المطرزات الجزائرية فهي وشاح كان يستعمل لتزيين تمثال السيدة العذراء ونجده اليوم في كاتدرائية شارتر. ويُقال أن أميرة كوندي كانت قد قدمت هذا الوشاح كهدية في العام 1650 تقريباً. وبدت ملامح هذا الميل إلى الأعمال المطرزة حيث تتداخل الزخارف التركية والأوروبية في المغرب ولا سيما في مدينتي فاس وتطوان، وفي العاصمة التونسية التي أعربت عن ولعها الشديد بخيوط الذهب والرصائع الذهبية والخيوط المذهبة أيضاً. فانتقل هذا الفن المديني من مدينة إلى أخرى، ومن سرايا إلى أخرى وخالط المواضيع "الرفيعة" مثل نموذج الزهور الأربع الي صُنع خصيصاً لسليمان العظيم، والمواضيع التقليدية كتلك الآتية من دول البلقان، والمدن الإيجية، وجنوب إيطاليا أو من العرب واليهود في الأندلس.

المراجع

M. Abbeg, A Propos Patterns for Embroidery, Lace and  Woven textiles, Berne 1978

E. Baer, Le suaire de saint-Lazare : une ancienne broderie hispano-islamique datable », 1985

M. Ellis, Embroideries  and samplers from Islamic Egypt, Ashmolean museum, Oxford

M. Guérard, « Contribution à l’étude de l’art de la broderie au Maroc, Les broderies de  Chechaouen », Hespéris Tamuda, XV, p.225-250

S. Jugie, Catalogue des broderies médiévales du musée de Cluny, 1988 (tapuscrit)

G. Menéndez Pidal, « La capa de Fermo, un bordado almeriense de 1117 », Boletin de la Real Academie de la Historia, CXLVIII, II, p. 169-184

Teresa Pacheco Pereira, Tapis d’Arraiolos, Lisbonne, sans date

M. Schuette et S. Müller-Christensen, La broderie, Paris 1963

Gabriel Vial, Etudes Technique des soieries Bouyides de la Fondation Abegg à Berne », Bulletin du CIETA, 37, P. 55-102

Marie-France Vivier, Joëlle Lemaistre, Broderie d’Alger, florilège de soie, IMA, Paris, 1992

Gaston Wiet , « Tissus brodés de Mésopotamie »,  Ars Islamica, IV, 1937, p. 54-63


-->