Qantara

فن الطلاء بالميناء

بيزنطة

شهد فنّ الميناء في بيزنطة، لاسيّما في أواسط الحقبة البيزنطيّة (من القرن العاشر إلى الثاني عشر)، انتشاراً فريداً بفضل الإتقان الممتاز لتقنيّة "الحجز" التي تمنحه مركزاً متميّزاً في صفوف الفنون الرفيعة في القرون الوسطى. تمّ استخدام الميناء في عالم صياغة المجوهرات لزخرفتها، إلى جانب الأغراض الطقسية، وإكساء التجليد أو الأيقونات وتزيين سروج الأحصنة والثياب الكهنوتيّة. كما تذكر المصادر الخطيّة، وهي أغنى في المدّ بالمعلومات من الإكتشافات الأثريّة، استخدام الميناء في الزخرفة الهندسيّة. غير أنّ لا دليل على ذلك باستثناء الصفيحات الستّ البيزنطيّة على غطاء المذبح الذهبي Pala d’Oro الذي يفترض أن يعود إلى دير المسيح ضابط الكل، غير أنّ هذا المصدر لا يزال موضوع جدل. غالباً ما أتت صناعة الميناء ردّاً على طلب من الطبقة الأرستقراطيّة، وهي أغراض عادة ما كانت تُستخدم كهدايا دبلوماسيّة. بلغت الغرب من خلال التبادلات، ولكن أيضاً كغنيمة من الحملة الصليبيّة الرابعة، فأعجب الغرب كثيراً بالميناء البيزنطي وغالباً ما تمّ تقليده، في حينّ حوّلتها بلاد الكرج في الشرق إلى تقليد جوهري. يقدّر أنّ القطع المطلية بالميناء المحفوظة تشكّل نسبة 20 بالمائة من المنتجات البيزنطيّة[1]. باستثناء بعض الحالات النادرة من الإكتشافات الأثريّة، على مثال أسورة القمصان في سالونيك ومدخر مدينة بريسلاف في بلغاريا، بلغتنا أدوات الميناء من خلال إعادة الاستخدام، وقد أُدمجت في مجوهرات غربيّة. كما تشير إعادة جمع صفائح من تواريخ وأساليب مختلفة في الثلاثية الفخمة في دير "خاخولي" Khakhuli في بلاد الكرج من القرن الثاني عشر إلى أنّ إعادة استخدام الميناء قد تواجدت كذلك في الشرق. يتبيّن إذاً أنّ دراسة الميناء إنّما هي مهمّة معقّدة ودقيقة جدّاً، لاسيّما عندما تكون مفصولة عن إطارها الأوّلي وعرضة لتغييرات بسبب إعادة الاستخدام والترميم أو التنقيح.

إنّ الميناء عبارة عن مادة زجاجيّة تتشكّل من فتات زجاج، مذوّبة مع الرصاص والبورق، وملوّنة عبر إضافة الأكاسيد المعدنيّة (أكسيد الزرنيخ للون الأزرق، والحديد والمنغنيز للون الأحمر الأرجواني والقصدير للون الأبيض). عبر الخبز في أفران متخصّصة على حرارة مرتفعة (600 إلى 800 درجة مئويّة)، يذوب الزجاج وينصهر مع قاعدته المعدنيّة ثمّ يجمد عند إعادة تبريده فيُعمد إلى تسويته وصقله. بفضل مزاياها المقاومة والثابتة، تتميّز الميناء بشكل رائع ببريق المعادن الثمينة والأحجار الكريمة، حتّى أنّها استبدلتها في بعض الأحيان. في الواقع، لا يمكن استخدام الألوان في الميناء إلاّ عبر وضعها بشكل متساوٍ، إذ أنّ المصدر المعدنيّ للصباغ يحول دون امتزاج الألوان. أمّا درجة البريق والشفافيّة أو الكثافة فهي عوامل ترتبط بحدّة الخبز ومدّته. قد تؤدّي عمليّات خبز متتالية لأغراض الميناءالشفّافة من ألوان مختلفة إلى ظهور تدرّجات في الألوان، غير أنّها تبقى في العموم خالصة ومتباينة. وقد استخدمت الميناء البيزنطية على قطع ذهبيّة، أو مزيج من الذهب والفضّة (ألكتروم) أو الفضّة المذهّبة وفي مرحلة لاحقة على مزيج نحاسي.

وفق تقنيّة "الحجز"، يتمّ تثبيت الميناء من خلال الصهر على صفيحة معدنيّة في خلايا تتشكّل الحدود الفاصلة بينها من أسلاك أو شرائط معدنيّة مثبّتة ومصهورة على القاعدة وفق رسم أوّلي محفور أو مرسوم بالنقاط. ويبدو أنّ استخدام القوالب لصناعة الصفائح حيث يتمّ ملء الرسم المجوّف بالميناء خاصّ بمشاغل كييف في روسيا [2]. ويتطلّب الحد من الميناء الجاف عدّة عمليّات خبز لكي يبلغ اللون مستوى الحدود الفاصلة. يمكن تغطية كلّ القطعة بالميناء، وتظهر الأسلاك الفاصلة من خلال الألوان (Vollschmelz). منذ أواسط القرن العاشر، لم تعد تنجز سوى رسوم الشخصيّات أو المواضيع الزخرفية من الميناء فتأتي ناتئة على خلفيّة ذهبيّة وتولّد تبايناً قويّاً (Senkschmelz). وفي حالات نادرة، تغطّي الميناء أحجام الأشكال المرسومة وفق تقنيّة التطريق، كما على أيقونة رئيس الملائكة ميخائيل في مدخر القدّيس مرقس.

لا يُجمع الخبراء على أصل الميناء البيزنطية: إنّ الاستمراريّة بين الميناء القديمة والبيزنطية، التي اقترحها ك. فيسيل، قد عارضها د. بوكتون الذي يميّز بين تقنيّة الميناء وفق العصور المسيحيّة الأولى وأواسط الحقبة البيزنطية، ليقدّم نظريّة أصل غربي، وبالتحديد كارولينجي. في جميع الأحوال، لا بدّ أن نلاحظ الفرق بين الأعمال السابقة لترميم الصور (843)، وتلك التي أُنجزت في عهد السلالة المقدونيّة. ومن بين الأعمال النادرة التي تعود إلى العصور المسيحيّة الأولى، صنعت رصيعة "غرفة الأوسمة" (Cabinet des Medailles) المتدليّة على عنق ليتشينا أودوكسيا، وتعود إلى زهاء العام 450، إلى جانب رصيعة مشابهة في بالتيمور، وفق تقنيّة الميناء على شكل شبكة، التي بقيت مستخدمة في العالم المتوسّطي حتّى القرن السابع. يبقى عدد من القطع، من دون نقوش، زُخرفت بوحدات نباتيّة وحيوانيّة، كرصيعة اللوفر المدموغة بشكل عنقاء مغرب، وإبريق القديس موريس من أجون في سويسرا، موضع جدل بين بيزنطة والغرب، فيما تشكّل التشابهات الأكيدة مع أسورة سالونيك وإكليل بريسلاف دلائل على أصول إمبراطوريّة. ويُعتبر التاج النذري في مدخر القديس مرقس، المنقوش باسم ليون السادس (886-912)، وقطع الميناء من كأس الإمبراطور الروماني (الأول أو الثاني) ومدخر لصليب المسيح في ليمبورغ في أواسط القرن العاشر، من بين الصناعات الملوكيّة من الحقبة المقدونيّة وتسمح بتحديد أصل عدد كبير من قطع الميناء المنعزلة. أمّا الخلفيّات الخضراء الشبه شفافة المميّزة لأعمال القرن التاسع والمثبّتة على تاج ليون السادس، فاستبدلت في القرن العاشر بالخلفيّات الذهبيّة البهيّة. واستمرّ التقليد حتّى غزو القسطنطينية في العام 1204، ليؤكّد على التطوّر نحو أسلوب منمّق ومعبّر مع شخصيّات رشيقة ولطيفة، سيؤدّي على الرغم من صلابة المواد إلى التأثيرات المرغوبة والمتكلّفة في نهاية القرن الثاني عشر. يؤكّد تاج قسطنطين مونوماخوس، الذي يصوّر الإمبراطور متوسّطاً زوجته وشقيقتها وتواكبهم شخصيّات أنيقة هذا التطوّر. فيما يشكّل تاج هنغاريا الذي قدّمه قسطنطين العاشر دوكاس إلى الملك غيزا الأوّل، والذي يعود من دون شك إلى عهده (1071-1078) دليلاً مهمّاً ويعلن عن الفنّ الذي سيزدهر في عهد الكومنينيين، وتشكّل مينا غطاء المذبح الذهبي (Pala d’Oro) التعبير الأكثر صراحة عنه.

لا شكّ أنّ هذه الأعمال صادرة عن مشغل ملوكي، علماً أنّ مشاغل أخرى تواجدت في القسطنطينيّة كما في مناطق أخرى من الإمبراطوريّة. غير أنّ نشاطها بقي محدوداً كما حالة الحرفيّين المجهولي الهويّة وتدريبهم. إذا قبلنا الأصل المحلي لأسورة متحف الحضارة البيزنطيّة، يمكننا أن نعزو تقليد الميناء في سالونيك إلى القرن التاسع. وتبدو هذه الأصول أمتن بالنسبة إلى ذخائر القديس ديميتريوس، التي تعود إلى القرن الثالث عشر والمزخرفة بصورة القدّيس ولحده الدقيقة[3]. فيما تشكّل الخلفيّة القاتمة التي تميّز هذه القطع أحياناً إحالة أعمال أخرى إلى المدينة الثانية في المملكة على مثال صليب دمبارتون أوكس (جردة 36.20) أو ذاك الذي وجد في لحد الملكة الدانماركيّة داغمار في كوبنهاغن. فقد شجّعت العلاقات المتينة بين الإمبراطوريّة ومملكة كييف في القرن التاسع نقل المعارف والأذواق البيزنطيّة إلى روسيّا، حيث ترتبط تقنيّة الحجز بالتقاليد المحليّة في صياغة المجوهرات[4]. إنّ جماليّة الميناء، المتميّزة باستخدام الألوان البراقة والأطر الذهبيّة القويّة، التي يمكن ملاحظتها في زخرفة بعض المخطوطات البيزنطيّة، تبدو جليّة في منمنمات إنجيلي ميروسلاف وأسترومير. وعلى الرغم من اعتبار العديد من قطع الميناء المتأتيّة من بلاد الكرج من أصل بيزنطي، طوّرت هذه البلاد الغنيّة بالمعادن وبفضل تقليد عريق في فنون المعدن، إنتاجاً محليّاً مهمّاً حتّى نهاية العصور الوسطى، وهي تتمثّل في تنوّع كبير في الأشكال والأغراض. كما أنتجت إيطاليا وصقلية قطعاً من الميناء بتقنيّة الحجز وفق التقليد البيزنطي، قبل القرن الثالث عشر في الأرجح، غير أنّها لا تضاهي الألوان القويّة والدقّة في أطر الأعمال البيزنطيّة. أخيراً، تؤكّد مجموعة صغيرة من أغراض الميناء بألوانها الكثيفة على خلفيّة من البرونز، المنقوشة بخطوط عربيّة أو يونانيّة على وجود مشغل في الأناضول قبل القرن الثاني عشر، حيث لم يؤدّ استقرار السلاجقة بعد العام 1071 إلى إلغاء التقاليد البيزنطيّة[5].

المراجع

Acta historiae artium Academiae Scientiarum Hungaricae 43, 2002 (volume sur la couronne de Hongrie

Buckton,  D. (éd.), Byzantium. Treasures of byzantine art and culture from british collections, Londres, 1994

Buckton, D., «  Early byzantine enamel in France », P. Armstrong (éd.), Ritual and art : Byzantine essays for Christopher Walter, Londres, 2006, p. 94-105. Buckton, D., « Byzantine enamel and the West », Byzantinische Forschungen 13, 1988, p. 235-244

Cutler, A., «  The Industries of Art», A. Laiou (éd.), The Economic History of Byzantium, Washington, 2002, p. 576-578. http://www.doaks.org/EconHist/EHB22.pdf

Enamels. Coulour in the course of time. (catalogue de l’exposition au Musée byzantin d’Athènes), Athènes, 2007

Evans, H. (éd.), The Glory of Byzantium, New York, 1996 (plusieurs notices et illustrations)

Freestone, I., Stapleton, C. et Rigby, V., « The production of red  glass and enamel in the Late Iron Age, Roman and Byzantine periods », Chr. Entwistle (éd.), Through a glass brightly : Studies in Byzantine and Medieval art and archaeology presented to David Buckton,Oxford, 2003, p. 142-154

Hetherington, P., « Byzantine cloisonné enamel : production, survival and loss », Byzantion 76, 2006, p. 185-220

Hetherington, P., « Byzantine and Russian enamels in the treasury of Hagia Sophia in the late 14th century », Byzantinische Zeitschrift 93, 2000, p. 133-137

Hetherington, P., « Enamels in the Byzantine World : Ownership and Distribution », Byzantinische Zeitschrift 81, 1988, p. 29-38

Lafontaine-Dosogne, J., « Email et orfèvrerie à Byzance, au Xe-XIe siècle et leur relation avec la Germanie », A. von Euw et P. Schreiner éd., Kunst im Zeitalter der Kaiserin Theophanu, Cologne, 1993, p. 61-78

Sanikitzé, T. et Abramishvili, G., Orfèvrerie géorgienne du VIIe au XIXesiècle, Genève, 1979

Wessel, K., Byzantine enamels from the 5th to the 13th century (trad. de l’allemand I. Gibbons), Shannon, 1969

هامش


[1] P. Hetherington, « Byzantine cloisonné enamel: Production, Survival and Loss », Byzantion, 76, 2006, p. 185-220, ici p. 212.

يقدّر الكاتب أيضاً أنّه تمّ تكبّد خسائر كبيرة منذ العام 1140 وذلك بهدف التخفيف من التفسير التقليدي للغياب الهائل لهذه الأعمال في خلال الحملة الصليبيّة على القسطنطينيّة في العام 1204.

[2] H. Evans (éd.), The Glory of Byzantium, New York, 1996, n° 214 et 215.

[3] A. Grabar, « Quelques reliquaires de saint Demetrios et le martyrium du saint à Salonique », Dumbarton Oaks Papers 5, 1950, p. 3-28.

[4] H. Evans, (éd.), The Glory of Byzantium, New York, 1996, n° 209.

[5] Byzance. L’art byzantin dans les collections publiques françaises, Paris, 1992, n° 244.

 


-->