Qantara

حياة البَلاط وفنون العيش

الحصول على بلايير فلاش

فن العيش

البلاط هو حاشية الحاكم التي تحيط به دومًا وتقدم له العون في أداء مهام الحكم وتسدي له المشورة وتسانده في إحقاق العدل وإدارة الشؤون. فللحاشية إذن دور مزدوج خاص وعام. وقد تغيرت تشكيلتها مع تتالي العصور. ففي أواخر العصور القديمة، كانت الحاشية كثيرة العدد ومنظمة البنية، وكانت تشارك في الرسميات والطقوس الإمبراطورية التي اعتمدتها لاحقاً الإمبراطورية البيزنطية. وفي المقابل استعان الملوك الميروفنجيون بحاشية ضيقة من الرفاق على نحو غير رسمي على ما يبدو. أما شارلمان فقد أحاط نفسه أسوةً بروما الإمبراطورية بحاشية باذخة ومنظمة ولامعة فكريًا لكنها لم تنجُ من انهيار عهد الكارولنجيين في نهاية القرن التاسع. وفي عهد الملوك الكابيتيين كان ندماء الملك من كبار الضباط كالقهرمان الوكيل بالخدمات والقائد العام القائم على الجيش والإسطبلات يعاونه المارشاليون المشيرون وأمين المشروبات المتكفل بالموائد والحاجب المشرف على ترتيب القصر واللباس والأثاث. وكانوا من العَلمانيين. أما حامل الأختام المسؤول عن كتابة الأحكام الملكية وختمها فكان من رجال الدين المثقفين.

 

وقد انتظم البلاط انطلاقًا من القرن الثالث عشر في انجلترا وفرنسا بحيث انفصلت خدمة شخص المَلك التي انحصرت فيما دُعي بدار المَلك، عن خدمات الدولة التي صارت في يد المجلس. هذا وظهرت مؤسسات أخرى. فها هو القديس لويس ملك فرنسا ينظم البرلمان الذي ساعده في إحقاق العدل وقدم له المشورة وشارك في صياغة المراسيم والقرارات. وكان البرلمان عبارة عن بلاط لاستئناف أحكام قضاة المحاكم الإقطاعية ووكلاء المحاكم القهرمانية، إلاّ ما تعلق بالقضايا الملكية أي ما يخص الأشخاص والقضايا من الدرجة الأولى. ولم تكن قرارات هذه المحكمة السيادية قابلة للطعن. لكن في يد الملك القائم على العدل أن ينقضها. وبسرعة شهدت هذه المؤسسة تخصصًا ملحوظًا مع ظهور الغرف المختلفة كالغرفة العليا وغرف التحقيق والالتماس إلخ. وشهدت كذلك تخصصًا في المناصب بظهور وظائف الرئيس والمستشارين والأساتذة إلخ. وفي القرن الرابع عشر رأت النور محاكم أخرى مثل غرفة الحسابات المسؤولة عن الرقابة على الأموال ومحكمة المعونات التي حكمت في الشؤون الضريبية.

 

ما فتئ البلاط ينمو في نهاية العصر الوسيط، فوصل عدد الأفراد في دار الملك في بداية القرن الرابع عشر إلى حوالي الأربعمائة على غرار بلاط البابا، بينما كان لدى ملك أراجون مائتا فرد ولدى ملك مايوركا مائة وخمسون. وفي بداية القرن الخامس عشر أحاط بالملك شارل السادس ثمانمائة شخص، وبحرمه إيزابيل ست وثلاثون سيدة وثلاثون فارسًا وأعداد من الكتبة والخدّام فيما دُعي بدار الملكة. أما دار دوق بيري ودوق أورليان ودوق جويين فقد ضمت من مائتين إلى مائتين وخمسين شخصًا. فكان من الطبيعي أن تؤدي حياة البذخ هذه إلى ازدياد ثقل نفقات الملوك والأمراء التي وصلت إلى مبالغ هائلة. وفي منتصف القرن الخامس عشر كان لدوق برجندي فيليب الطيب - أحد أقوى أمراء أوروبا شكيمةً وأكثرهم استقلاليةً - بلاطٌ كان يُعد من أبذخ البلاطات في ذلك الحين، وضم فيمن ضم الرسام يان فان آيك الذي عُيّن خادمًا للأمير لأن الدوق كان معجبًا به واعتبر انسحابه لاحقًا كخسارة فادحة.

 

حياة البلاط وحياة النبلاء

 

للحياة في البلاط أوجه عدة ما فتئت تتبدل بتبدل الأزمان. فكانت في البداية حياة فكر وفن ودين. وبالفعل وحتى القرن الثالث عشر كان العلماء والمفكرون واللاهوتيون المنتمون إلى الأوساط الرهبانية أو الأُسقفية الكنسية يترددون أيضًا على حاشية الملك. وبلاط شارلمان خير شاهد على ذلك بمن ضمهم من ألمع العقول في عصره. وفي جنوب فرنسا في القرن الثاني عشر التصق التروبادور الشعراء وعازفو الموسيقى بحياة البلاط، حتى أن غليوم التاسع دوق الأكيتين وكونت بواتييه قد برع في شعر الغزل العذري الذي اشتهر به التروبادور. كما أن روايات الحب العذري (« كورتوا » بالفرنسية من « كور » أي بلاط) قد بدأت تتطور منطلقة من نظرة  النبلاء الأرستقراطيين إلى الحب والكياسة في الغزل. وها هو غليوم يقول في أحد أشعاره: عذّبَتني امتحانًا لحبي لَها ومهما قاتلتني أبغي وِصالَها.

 

مع ظهور الجامعات انطلاقًا من القرن الثالث عشر برزت أعداد من المتخصصين في البلاطات الملكية. ففي الشؤون العامة أصبح بإمكان الملك أن يستعين بأساتذة القانون المدني، على مثل الملك فيليب حسن الطلعة ومستشاريه القانونيين. كما حظي طبيب الملك بين العلماء بمكانة من الرتل الأول، مثالنا على ذلك جي دو شولياك الذي كان طبيبًا لأربعة باباوات في القرن الرابع عشر. وكان من أصل متواضع لكنه تخرّج من الجامعة وصار إكليريكيًا وكتب أهم مؤلّف في الجراحة في عصره. كما نجح في العثور على حلول علمية لوباء الطاعون الذي التقط العدوى به من المرضى الذين عالجهم، فنجح في شفاء نفسه منه.  هذا وكان للكهنة مكانة خاصة في بلاط الملك حيث دارت الأحاديث الدينية واللاهوتية. وكان لمُعرّف الملك أو مرشده الروحي، الذي كان غالباً من أعضاء الرهبانيات المتسولة منذ عهد الملك القديس لويس، دور هام نظراً لنفوذه وتأثيره على الملوك. وكان للحياة الدينية مكانة محورية في البلاط إذ جرى في نهاية العصر الوسيط أن يمنح الباباوات صكوك غفران للبلاطات وكأنها مؤسسات دينية (وفي المقابل حصل في القرن الثاني عشر أن نعت البابا يوحنا ساليسبيري بلاط هنري الثاني بالجحيم). وفي القرن السادس عشر كان الإسكوريال الذي أمر ببنائه الملك فيليب الثاني بالقرب من مدينة مدريد قصرًا ودَيرًا في آن معًا. كما وانعكس تأثير السياق الروحي في بلاط الدوق فيليب الطيب في منتصف القرن الخامس عشر في فن الرسم الفلمندي على يد الرسام يان فان آيك، فكان البلاط مَحفلاً للتبادل الفكري والتلاقح الفني. وفي نهاية العصر الوسيط كانت البلاطات الملكية والأميرية تربة خصبة لازدهار الفنون، ومنه ظهور تيار فني في القرن الرابع عشر دُعي بفنون البلاط (كورتوا). وكُلّف الفنانون بتنظيم مباهج البلاط من أعياد واحتفالات وتسالي.

 

كان ردح كبير من حياة البلاط والنبلاء والسادة الإقطاعيين مكرسًا للترفيه والتسلية. لكن هذه المباهج كانت غالبًا مناسَبة لإبراز السلطة والتأكيد على سلطانها. فالصيد على سبيل المثال، الذي شغف به جميع الأسياد تقريبًا خلال العصر الوسيط، كان حكرًا على الملوك والنبلاء. فكان مرتبطًا إذن بالهوية والانتماء ودليلاً على وسع الأراضي الخاضعة لسلطان السيد وفرصة للتدريب العسكري مثله مثل المنازلات والمباريات التي تُعتبر أنشطة أرستقراطية بامتياز مع كل التفخيم والتدبيج المرافق لها. يقول لنا رينيه ملك آنجو وبروفانس في كتاب المسابقات الشهير في القرن الرابع عشر: من أراد المباراة فينبغي أن يكون أميرًا أو على الأقل بارونًا أو سيدًا. وكانت شعارات النبالة تُحمل بتباه وفخفخة حتى استُعملت لاحقًا في الزخرفة والعمارة. وقد انطوى النبلاء على حياة البلاط وفخّموا دورهم، بينما كانت تتشكل في هذه الأثناء وخلال حرب المائة عام جيوش من المرتزقة استطاعت أن تنحّي عن ساحة المعركة النبلاء والفرسان الذين وعلى الرغم من بسالتهم خسروا خسائر كارثية، كما في هزائم وقائع كريسي سنة 1345 وبواتييه سنة 1356 وأزينكور في سنة 1415.

 

إلى جانب الترفية والتسلية، كان للاحتفالات والولائم والألعاب والرقص والإيماء دور في شد اللحمة الاجتماعية في أوساط النبالة. وقد بقيت إحدى الحفلات التنكرية في الذاكرة بسبب المأساة التي حدثت فيها، ونعني هنا حفل الملتهبين سنة 1393. فقد بدّل الملك شارل السادس وعدد من رفاقه سحنتهم متنكرين بزي وحوش ودهنوا أبدانهم بالقطران وكسوها بالكتان والريش. لكن شقيق الملك اقترب كثيرًا من أحد المشاعل، فقضى خمسة شباب نحبهم حرقًا ونجى الملك في اللحظة الأخيرة من هذه الكارثة. غير أن عقله الذي كان ضعيفًا أصلاً اهتز كثيرًا على إثر هذه الحادثة. هذا وتتيح هذه المباهج الفرصة للقاء والتفاوض على الزيجات بين الحاضرين وعائلاتهم في البلاطات الأميرية. مما يعزز أيضًا من تماسك البلاط حول عاهله. وبنفس الوقت، شغلت هذه التسالي وقت الأسياد الإقطاعيين وأبقتهم تحت عين الرقيب تجنبًا لأي رغبة ربما تظهر لديهم بالتمرد أو الانتفاض. وكان لهذا الدور مستقبل واعد وصولاً إلى لويس الرابع عشر الذي جعل من كبار إقطاعيي المملكة متفرجين دائمين على عظمة جلالته المنفرشة بكل أبّهتها في البلاط.