Qantara

الجص

في غرب أوروبا

دَرَج استخدام الجَصِّ (ويُقال بالإيطالية سْتُوكّو stucco، وهو اسم أتى من إقليم لُمبارديا) خلال العصور القديمة كبديل عن الحجر. وقد وردت تقنية استخدامه وطرق تحضيره في المُجلّد السابع من كتاب دي اَركِتِكتُورا (في العمارة) للمعماري الروماني فِتروفيُس. وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، استمرت هذه التقنية في بيزنطة، ثم تبنّاها الإسلام انطلاقاً من القرن السابع. غير أنها لم تختفِ من الغرب خلال العصر الوسيط، خلافاً لما يُمكِن أن نظنه نظراً لندرة الوثائق ذات الصلة. فقد مُزِج بالرسم لتزيين المعابد المسيحية. غير أن بقاياه المُفتتة والمُشتتة لم تلفت انتباه مؤرِّخي الفنون إلاّ مؤخَّراً. بالإضافة إلى أن الآراء عنه كانت قاسية، إذ قال عنه المعماري الفرنسي فيولِّيِهْ-لُو-دُوق Viollet-le-Duc : "الجَصُّ مُناسِبٌ للزينة العادية، وقد استمر من بين كافة التقاليد الفنية الرومانية لأن استخدامه سهل ويسير. فأن تَبنيَ جدراناً من الدَّبْشِ (أي من الحجارة كما وصلت من المَقلَع)، وبعد الانتهاء بسرعة من البناء، أن تُخفي عيوبَه وشذوذَه بِطينَةٍ يقوم النقّاشون والنحّاتون بتحزيزها وفق زخارف استعاروها من الأثاث والأقمشة والأدوات الشرقية، هذه لعمري تقنية لم يلجأ إليها إلا السُّذَّج من معماريي العصر الوسيط المُبكّر". ربّما في هذا الرأي مبالغةٌ، إلاّ أنه رأي صحيح يصف بالضبط طريقة استخدام الطّينَة والجَصِّ.

الجَصّ تقنيةٌ وليس خامة

يتميّز الجَصّ بإتّباع تقنيةٍ تسمح لِلخَامة اللَّدنة أن تتّخذ مظهر الحجر الأملس. وقد جرى تحضير الجصّ في العصور القديمة من مادة الكِلس ومسحوق الرخام (المرمر). أما في العصر الوسيط فقد حُضِّرَ من الجِبس الذي كان يُخلَط أحياناً بالكِلس. والنتيجة هي مادّةٌ تتمتع بمقاومة عالية عند جفافها، كانت تُقَولَب أو تُصَبّ أو تُشَكَّل قبل تَصلُّبِها الكامل. فالجَصّ بالتالي مُناسِبٌ للمساحات، المُسطحة منها والمُزيّنة، المحفورة منها والناتئة، وكذلك للعناصر المعمارية المتنوعة مثل النَّواتِئ الزخرفية والأعمدة وتيجانها، لا بل وهو مناسِبٌ حتى للتماثيل ثلاثية الأبعاد. هذه السهولة في تطبيق تقنية الجَصّ وانخفاض كلفته يُفسّران رَواجَه خلال العصور القديمة وفي العصر الوسيط حتى القرن الثاني عشر.

من العصور المسيحية القديمة إلى العهد الكَرولَنجي

لقد ازدهرت تقنية التزيين هذه في صروح العبادة حيث تجاورت غالباً مع الفسيفساء، كما في بيت معمودية الأرثوذوكسيين في رافين Ravenne (في إيطاليا حوالي سنة 450). ويتخذ الجَصّ شكل زينة جدارية كما في بازيليكية بارِنزو Parenzo ( في بورِك اِسْتري Porec, Istrie، حوالي سنة 650) حيث لا يزال  محفوظاً على بواطن القناطر من الجهة الشمالية في تربيعات مملوءة بالنباتات والعصافير. كما يُمكن أن يتخذ شكل زينة ذات صور كما في فونويل سو بيار Vouneuil-sous-Biard بالقرب من بواتييه (إقليم فيين Vienne، نهاية القرن الخامس على الأرجح). ويبرهن هذا الاكتشاف الجديد على وجود مبكر للزينة المُتقنة في السياق المسيحي خارج إيطاليا. وانطلاقاً من أكثر من ألفين قطعة عُثِر عليها، تمت استعادة رسوم العديد من القديسين على القناطر[i].

أما عن إمبراطورية الغرب القديمة، فليس بين أيدينا إلا القليل جداً من الشواهد من القرنين السادس والسابع. غير أن مملكتي اللُمباردييين والكًرولَنجيين قد تركتا لنا آثاراً كثيرة لاسيّما في إيطاليا. ففي كنيسة Santa Maria in Valle de Cividale (منتصف القرن الثامن) لا يزال الجدار الغربي يحمل زينة من الأفاريز والعقود الناتئة إلى جانب رسوم ضخمة لقديسين بعيونهم الكبيرة وهيئاتهم المَهيبة، ربما أنجزها جصّاصون بيزنطيون كانوا قد هربوا من الحرب على الأيقونات. وثمة أيضاً ومن نفس الفترة اثنا عشر ألف كسرة من الجَصّ والطّينة المطلية التي عُثِر عليها في دير Saint-Martin de Disentis (في كانتون Grisons في سويسرا). هذه الكسر ذات الطابع البيزنطي أيضاً تضم إلى جانب صور القديسين المعهودة، رسماً كبيراً لرُقاد العذراء وآخر لآزِفة يوم الحساب مع الملائكة النافخين في الأبواق. هنا تزاوج الجَصّ والرسم بحيث نتأت الوجوه والأيدي فحسب. وفي نهاية القرن الحادي عشر، طُبِّقَت طريقة أخرى مشابهة لإبراز وجه القديس جورج في كنيسة القديس ميخائيل في دير Saint-Chef-en-Dauphiné (إقليم إيزير Isère). وفي إيطاليا العصر الكَرولَنجي، انتشر استخدام الجَصّ انتشاراً واسعاً ممزوجاً بالرسم، كما في S. Salvatore de Brescia أو في S. Benedetto de Malles. والأمثلة على هذه التقنية في إمبراطورية الفرنجة نادرة، كما في Germigny-des-Prés في بداية القرن التاسع، حيث تشهد الزينة الجدارية على تأثيرات متنوعة، بعيدة أحياناً كالاستعارات من فنون الشرق والإسلام. وثمة مثال آخر في Corvey-sur-Weiser (في وِستفاليا في ألمانيا) يشهد على الرغبة في العودة إلى الفن القديم المُتقَن، إذ اكتُشفَت مؤخّراً في الكنيسة العليا من الكتلة الغربية، رسومٌ تحضيرية لوضع تماثيل ناتئة من الجَصّ.

العصر الروماني

لم يختف الجَصّ تماماً في العصر الرماني لصالح الحجر. ففي فرنسا التي لم يُستخدَم فيها كثيراً، نعثُر على الجَصّ في القرن الحادي عشر في سان ريمي Saint-Rémi في رانس Reims (في إقليم المارن) كمُكَمِّل لنحت تيجان الأعمدة وكزينة مُتقَنة كما في مدفن Saint-Jean-de-Maurienne (في إقليم سافوا). ومثال كنيسة دير Alettes-Bains (إقليم أود) الرائع الذي يعود إلى القرن الثاني عشر يبقى شاهداً معزولاً. فصدر الكنيسة المبني من الحجر المَقصوب على الطراز القديم حمل في الداخل في الأصل زينة جَصّية مُتقنة قريبة من أفاريز الحجر الخارجية. والاستخدام المتعمّد لتقنية الجَصّ هنا أتى على الأرجح لجودتها وليس لانخفاض كلفتها. هذا أيضاً سبب استخدامها المنتشر في إيطاليا في القرن الثاني عشر. ونذكر هنا على سبيل المثال كنيسة S. Pietro al Monte de Civate (في إقليم لُمبارديا): الفضاء الغربي والمدفن ومِظلّة المذبح. أما في شمال اسبانيا وفي إقليم قطلونيا، فإن الزخرفة الجدارية النادرة والناقصة استعارت أحياناً رسوماً تزيينية مُركّبة من الفن الإسلامي.

ونُنهي هذا المنظر العام ببعض التُحف الألمانية (من إقليم ساكس) التي تعود إلى القرن الثاني عشر. إذ ثمة حاجزان للخورُس رائعان متعددا الألوان محفوظان في هِلدِسهايم Hildesheim وهَلبِرشتات Halberstadt يحملان زينة خارجية من العقود الزخرفية وصور القديسين الناتئة. وفي كنيسة دير غيرِنرود Gernrode ثمة قبر مقدس ضخم مُزيّن بمشاهد ما بعد القيامة صُوِّرَت شخصياتُه بالحجم الطبيعي وفق طراز مدهش في حيويته. فسهولة استخدام الجَصّ ساهمت في جودة التنفيذ.

إن ندرة التُحف الباقية والازدراء الذي ضربها وقّلة الدراسات المكرّسة لها حتى فترة قريبة، أدى إلى غياب المعايير التي تسمح بتأريخها مما أدى إلى عدم اليقين بشأنها. ومثالنا على ذلك تمثال شارلمان الشهير في كنيسة مُستايير Mustaïr الذي يعيده البعض إلى القرن التاسع والبعض الآخر إلى القرن الثاني عشر (بعد إعلان قداسة شارلمان سنة 1165). أمّا الفن القوطي، فيبدو أنه لم يلجأ إلاّ فيما نَدَر إلى هذه التقنية التي أُعيد إحياؤها انطلاقاً من عصر النهضة مروراً بالقرنين الثامن عشر والتاسع عشر اللذين شهدا افتتاناً كبيراً بالجَصّيات.

هامش


[i]  C. Sapin (dir.), Les stucs de l’Antiquité du site Vouneuil-sous-Biard سيُنشر في دفاتر غاليا Gallia.