كان الطولونيون هم أول من أتاح استقلال سياسى حقيقى لمصر فى العصور الوسطى.
ففى خلال فترة حكمهم القصيرة,عرفت مصر- وقد كانت حينئذ أغنى اقليم تحت حكم سيطرة الامبراطورية العباسية- ازدهار فنى غير مسبوق.
باعث هذه النهضة هو فى المقام الأول مؤسس الدولة الطولونية أحمد بن طولون(835-884)
الذى خلفه ولديه قبل أن يعود الاقليم تحت السيادة العراقية.
ان الانجازات الفنية التى تحققت فى مصر فى عهد الطولونيين تدين بالكثير للأماكن التى قضى فيها ابن طولون طفولته,و للطريقة التى فرض بها سيطرته تدريجيا على هذا الاقليم الغنى, و فى نفس الوقت للتقاليد الفنية المصرية التى سبق وجودها انشاء الدولة العباسية.
وهى تعكس أيضا رغبة الطولونيون فى التحرر من وصاية الخلافة.
و قد ترعرع أحمد- وهو ابن لعبد تركى أهدى للخليفة المأمون حوالى عام 815- فى مدينة سامراء عاصمة الخلافة التى تقع على بعد 125كم شمال بغداد,والتى أنشئت عام 836 على يد الخليفة المعتصم الذى كان يود الابتعاد عن بغداد حيث كان يتعرض للتهديد.
لذلك كان الأمر يستلزم تأسيس عاصمة جديدة للخلافة لايقطن فيها غير الجنود و الرجال الموالين للأسرة الحاكمة. فى عام868 تم تقليد أحمد بن طولون منصب نائب حاكم مصرو فى عام 872 تمكن من الاطاحة بمنافسه ,فاستطاع بذلك أن يجمع بين يديه السلطات السياسية و الاقتصادية, بينما تسلم أيضا ادارة المقاطعات الساحلية من مصر و حتى برقة و هى مناطق لم تكن تحت سيطرته حتى ذلك الوقت. و فى النهاية دفعت الاضطرابات التى وقعت فى اقليم سوريا-فلسطين أحمد بن طولون الى التدخل ليضم بذلك تحت سيطرته مساحة شاسعة من الأراضى تبدأ من ليبيا و تمتد حتى سوريا.
و لو أنه لم يستبعد كليا الخلافة العباسية,الا انه فى واقع الأمر جعل من مصر تدريجيا امارة شبه مستقلة,كما استطاع بفضل ادارته الحازمة أن يحقق لها الازدهاروالرخاء.
و قد أعاد أحمد بن طولون تنسيق النظام المالى,و اعتمد على صفوة المجتمع لتوسيع هيمنته.
و على غرار الصورة التى عرفها فى سامراء,أنشأ ابن طولون عام 870 عاصمة جديدة"القطائع",لكى يقيم بها جنوده و المقربين منه, كما أقام بها مبانى تذكاريةتبرز مكانته فى البلاد.
و شيد بها أيضا قصرا و مسجدا كبيرا (879-809) يعيد الى الأذهان مبانى سامراء.
بنى المسجد بالكامل من الطوب المحروق المغطى بالجص ,و هو يعد أحد أشهر صروح القاهرة الحديثة والأثر الوحيد المتبقى من فن العمارة الطولونية كما أن تصميمه الذى يضم ساحة مربعة محاطة بثلاث أروقة كان له عظيم الأثر على عدد من المساجد المصرية التى بنيت لاحقا.
أما قاعة الصلاة فهى تتكون من ثلاث صحون عرضية بها أقواس تماثل تلك الموجودة بقبة الصخرة فى القدس,وهى التى ألهمت المعمارى الذى صمم المسجد و قد أشارت الكتب أنه كان مسيحيا. أما بالنسبة للزخرفة المنحوتة على الأسطح السفلية للأقواس فانها تذكرنا بالطراز المستخدم فى سامراء مسقط رأس ابن طولون.
هذا الجامع يخلد أيضا أسلوب سامراء فى استخدام شرفات مقوسة بها أعمدة و ساحات ممددة مستطيلة تقع بين الحوائط الخارجية و الواجهات الأمامية و الجانبية.ان التناسق الذى يظهر فى الشكل العام كان يجب أن يتأثر بالمأذنة الأصلية بشكل أكبر,حيث أن المأذنة الحالية لم يتم ترميمها الا فى القرن الثالث عشر ,و يبدو أنها كانت تقع فى وجهة المحراب.اضافة الى ذلك ,فان كل الدلائل تشير الى أن شكلها المروحى الحلزونى الذى أصبح اليوم مبتورا,هو نموذج لمآذن سامراء.
كان الأقباط و هم كثيرو العدد فى مصر يمتلكون فى فنهم العناصر و التقنيات اللازمة لانجاز مثل هذه التصميمات.لذلك فليس من المستبعد أن يكون لتقنيتهم المستوحاة من البيزنطيين عظيم الأثر. فى واقع الأمر ان طريقة نحت الجص فى زخارف المسج تشبهالأشغال على الخشب التى برع فيها الأقباط.كما أن التشبيكات الزهرية و الحليات المعمارية أو ايضا أوراق العنب ,اضافة الى الاتجاه الى الأشكال التجريدية و الهندسية التى أثبتها الأقباط فى مأثورهم الفنى تتجمع فى مسجد ابن طولون, و قد بدا أنه تأثر بذكريات مؤسسه فى مرحلة شبابه فى بلاد الرافدين,مثلما تأثر أيضا بتقنيات و أساليب الحرفيين المحليين.
اللوحات الخشبية القليلة التى تم اخراجها من رمال الفسطاط و التى تنتمى الى نفس الفترة تستعيد الطراز القبطى الغالب على التشكيل الفنى الطولونى( عند الطولونيين).
ان تطور المطرزات أو النسيج الفاخر فى عهد الدولة الطولونية يثبت دور الأقباط بشكل أكبر.فقد اتسمت هذه الحقبة بشكل خاص باستثمارات كبيرة فى مجال الزراعة ,لاسيما زراعة الكتان الذى يعد المادة الخامة الأساسية فى انتاج المطرزات. Tiraz
فمنذ عهد البيزنطيين, كانت أفضل ورش المطرزات تقع بين أيدى الأقباط فى محافظات دلتا النيل مثل دمياط ,tinnis أو أيضا الاسكندرية. و لقد تطورت هذه الصناعة التى كانت تدر أرباحا طائلة لمستثمريها بدءا من عهد ابن طولون.و أظهرت المطروزات التى تم العثور عليها, بداية دخول(معرفة) النماذج و التقنيات الفنية الشرقية التى تميل الى اثبات أن جزء من هذه الصناعة(هذا الانتاج)يسعى الى فتح سوق جديدة.كما أظهرت ايضا النماذج القبطية التى تشير الى أن السوق الداخلى المصرى كان هو أيضا يتطور مستغلا النهضة الاقتصادية التى بدأها ابن طولون.و قد كانت هذه الأقمشة المصنوعة من الكتان أو الحرير و التى غالبا ما تكون ملونة أو مزينة بخيوط الذهب تستخدم فى صناعة الملابس الفاخرة,حيث كان الملوك هم أكبر مستخدميها.و على غرار العملات التى كان يصكها الطولونيون ,كانت هذه المطروزات تشكل أداة مؤثرة سياسيا.و بدءا من عام 878 فان النقوش الموجودة على الأقمشة أو قطع النقود تذكرنا فى الواقع باسم و لقب ابن طولون فى موقع ومحل صاحب اللقب الرسمى المكلف الباقى فى العراق و لاسيما الخليفة العباسى.و هكذا يظهر لنا مدى عزيمة ابن طولون فى التحرر سياسيا.
كانت مصر فى عهد الدولة الطولونية تعد بمثابة مركز لانتاج خزف ذو بريق معدنى.و على الرغم من أنه من الصعب أن نحدد بشكل دقيق المصدرالأكيد لهذه التقنية,والتى على أن حضارة بلاد ما بين الرافدين – و هى تمثل جزء أساسى من الآثار الفنية للعالم-تمكنت من ان تضع لنفسها شكل مميز منها.الا ان بعض بقايا الخزف المهملة التى تم العثور عليها فى رابيات القبور فى الفسطاط تثبت أنها صناعة محلية.و من الممكن أن يكون بعض الحرفيين العراقيين قد هاجروا الى مصر بغرض انتاج و تعليم مناناهج الفن الخاصة بهم و لكن لا يمكن كذلك أن نستبعد تماما استمرار الانتاج فى ورش العمل المحليه و هكذا فان الانتاج الفنى للحقبة الطولونية يدل فى المقام الأول على ازدهارالاقتصاد المصرى.و قد اشتهر بالمزج بين الأعمال الفنية فى مصر و بلاد الرافدين الذى تم تطبيقه لأول مرة و أحرز نجاحا بعد فترة من الزمن.
| المشروع | معرض متنقل | زيارة افتراضية | كاتالوغ | روابط | حقوق النشر | اتصال | ![]() |
![]() |
![]() |
| حقوق الطبع قنطرة 2008-جميع الحقوق محفوظة |