حوالي 1140-1143
- أدعية بالخط الكوفي بحروف ذات نهايات مَشدوفة، وقد اتخذت بعض الحروف شكل عنق بجعة، والكل محاط بالنجوم.
باللاتينية بحروف من الذهب على خلفية زرقاء على النواتئ الزخرفية التي تصل بين السقف والجدران: ذِكر لعملية الترميم سنة 1478 في عهد الملك جان الأراغوني التي أُنجِزت في عهد الملك فرديناند الثاني الأراغوني الملقب بالكاثوليكي
جرى مؤخراً ترميم السقف وأُعيد دهن بعض الرسومات
اهتم الملك روجر الثاني الذي تُوِّج يوم عيد الميلاد لسنة 1130 شخصياً بإنجاز كنيسة قصره التي يشير ميثاق تأسيسها المكتوب على رِقٍّ أرجواني إلى تاريخ تكريسها في 28 إبريل/نيسان لسنة 1140[i]. يغطي السقف ذو المقرنصات جناح الكنيسة ويعلو الفسيفساءات على خلفية ذهبية ذات الطراز البيزنطي والتي رُتِّبَت مواضيعها وفق ترتيب دقيق. هذا السقف ذو المقرنصات، المرسوم بأكمله والموضوع في مكان الشرف (ما عدا حَنِيَّة صدر الكنيسة) يُدهش الناظر إليه من حيث طرازه المختلف وزخارفه التشخيصية وألوانه بين الأحمر والأزرق والأسود والأبيض على خلفية ذهبية. وهو منظَّم على شكل صليب ونجوم متشابكة، وهو شكل راج في الإكساءات الجدارية الخزفية[ii]. ويتضمن الصف المركزي تسعة صلبان، وهو محاط بصفين يضمّان عشر نجوم. وعلى الجوانب، ثمة أنصاف صلبان مزينة في وسطها بقُبَيبات، تعطي الانطباع باستمرارية الزخارف. وفي داخل كل نجمة ثمة قبة بارزة مُثَمَّنة في إطار نجميّ مُقَوَّس يحيط بها إفريز يحمل كتابات بالخط الكوفي. وفي مركز كل نجمة ثمة خرطوشة معينة الشكل بارزة بعض الشيء. والكل يندرج في مساحة واسعة من المقرنصات موصولة بالجدران بفضل نواتئ زخرفية عريضة.
رسومات السقف هي البقايا الوحيدة بهذا الحجم الهائل عن تقليد طويل. وهي تندرج وكأنها لوحات يحيط بها إفريز مُحَبَّب[iii] في مساحات المقرنصات الهندسية ذات الأشكال المتنوعة وفي مركز السقف. وتندرج الرسوم الأهم (من بين 750 رسماً تزين السقف) في الإطار. وربما تسمح دراسة متعمقة لهذه الرسوم بتحديد البرنامج السياسي والطقسي الكامن من ورائها، كما هي حال الفسيفساءات[iv]. والكثير من الزخارف متكررة لكن لا شيء يشير إلى اتجاهها. ونعثر على مواضيع معروفة في الفن الإسلامي أو تعود إلى الفن القديم أو إلى فنون آسيا الوسطى الهللينية مروراً بالفن البيزنطي والأموي والعباسي والفاطمي، دون أن ننسى الفن الروماني في الغرب الوسيطي. فثمة الحيوانات المتناحرة (الكثير من التنانين) والأسود والعقبان، وعقاب يحمل أميراً[v]، وصيادون مع صقورهم وفرائس متنوعة، يحمل أحدهم فريسة في عنقه[vi]، وجِمال وفيلة، وأحياناً سيدة في هَودَج[vii]، وعربات شمسية وقمرية[viii]، وأمير على عرشه، لوحده أو مع جُلَسائه، وشاربون وعازفون وعازفات لوحدهم أو حول نخلة[ix]، وراقصات مُتَوَشِّحات[x]، ومشاهد مصارعة[xi]، أحياناً بين رجل أبيض ورجل أسود، وواجهة قصر وداخل كنيسة، ورجال يحيطون بسبيل أو بئر، ولاعبو شطرنج، وخيام مزخرفة فيها سيوف.. كلها إشارات إلى حياة البلاط.
أمّا الوجوه المُدَوَّرة ذات العيون الكبيرة التي يعلوها أحياناً حاجبان منعقدان[xii]، والشعر الأسود ذو الذيول المعقوفة، فتندرج أيضاً في إطار تقليد طويل من آسيا الوسطى كما نراه في العديد من القطع الفنية الإسلامية.
نحن نعرف الطابع المتعدد الثقافات واللغات الذي طبع البلاط في باليرمو حيث تكلم الناس باللسان العربي. فصقلية التي خضعت لسيطرة المسلمين حافظت على علاقات وثيقة مع الفاطميين في مصر[xiii]. فاستعارت طقوسهم وعاداتهم وأفكارهم فيما يخص التنظيم والإدارة. ويفسّر غزو المهدية في إفريقيا سنة 1147 وتأسيس مملكة نورماندية في شمال إفريقيا، تأثير الحضارة الشرقية العميق على صقلية. فصحيح أن مواضيع الرسوم وطرازها قد استلهمت من إرث آسيا الوسطى القديم، إلا أن شكل الكنيسة وترتيب سقفها من أصول مغاربية[xiv]. ولا شك أن قصور الزيريين والأغالبة في تلك الفترة قد اتخذت أشكالاً مشابهة. غير أنها للأسف قد اندثرت. لكن ثمة بقايا من سقف القصر الفاطمي في القاهرة تحمل أيضاً صلباناً ونجوماً بزخارف حيوانية محفورة نعثر عليها أيضاً في سقف الكاتدرائية في سيفالو (صقلية) التي موَّلها روجر الثاني[xv]. وقد وصلت إلينا من الأندلس وإفريقيا بعض العناصر السقفية الخشبية المرسومة ذات الزخارف غير التشخيصية التي استُخدِمت لتجميل المباني الدينية[xvi].
ربما لن نعرف قط إن كان الحرفيون الذين أنجزوا هذا السقف الرائع مصريين أو مغاربيين أو صقليين. فالامتزاج الثقافي والحضاري في صقلية في ذلك الحين كان عظيماً.
[i] ثمة مصدران آخران فيما يخص تاريخ بناء هذه الكنيسة، أولهما كتابة متضررة فسيفسائية بحروف زرقاء على خلفية القبة الفضية، 1143. وثانيهما عظة فيلاغاثُس كيراميوس Philagathos Kerameôs أسقف تاورمينا بمناسبة عيد القديسَين بولس وبطرس. هذه العظة غير المؤرَّخة تذكر لمعان الفسيفساء على خلفية ذهبية والسقف الذي تقارنه بسماء الليل المليئة بالنجوم. لا شك أن هذه العظة تشير إلى فسيفساءات القبة التي أُنجِزت في عهد روجر الثاني وليس إلى فسيفساءات جدران جناح الكنيسة التي أُنجِزت في عهد غليوم الأول (1154-1166) حيث أُضيفَت النواتئ الزخرفية التي تصل القف بالجدران.
[ii] كما نرى على سبيل المثال في بقايا الصليب والنجوم المتشابكة ذي الزخارف البرَّاقة الآتي من قلعة بني حمّاد. وثمة قطع من سقف جَصّي مدهون عُثِر عليها في نفس الموقع. وفي إيران أيضاً راج شكل الصليب والنجوم المتشابكة إن كان من الجص أو من الخزف. كما ونعثر عليه في الأناضول في العصر السلجوقي. وأرضية جناح كنيسة القصر في باليرمو من الرخام الملون تعكس أيضاً نفس الشكل. وقد استعار النسيج الصقلي هذا الترتيب، كما نرى في قطعة القماش الحريري التي تحمل صورة عقبان مع خراطيش ذات نجوم، ليون، متحف النسيج، 29256.
[iii] كما في سامراء.
Grube & Johns, op.cit., p. 22 et note 93 p. 34[iv]
[v] هذا رسم معروف في إيران (على الحرير والنحاسيات السلجوقية) وفي الأندلس (على جُرن حجري على سبيل المثال). واستُلهم هذا الرسم حسب المناطق من تقاليد آسيا الوسطى أو من التقاليد الإيرانية (عقاب شَمان الكبير وعقاب زال والسيمرغ) أو من التقاليد القديمة المتوسطية (غانيميدس).
[vi] نعثر على هذه الصورة في رسوم سامراء وهي قد راجت في الغرب الوسيطي ورمزت إلى "الراعي الصالح".
[vii] نعثر على الجمل والفيل في الفن الإسلامي. فثمة فيل وزرافة على صندوق عاجي مرسوم صقلي في خزينة كنيسة قصر باليرمو (Grube & Johns, op. cit., p. 180) كإشارة إلى الحيوانات الغريبة التي لطالما بحثت عنها معارض الوحوش التابعة للأمراء في جميع بلاد الإسلام (Grube & Johns, op. cit., p. 181 et 187).
[viii] إرث من العصور القديمة الكلاسيكية.
Grube & Johns, op.cit., p. 22 et note 93 p. 138-151[ix]
Id. p. 151-159[x]
Id. p. 159-167[xi]
[xii] راج الحاجبان المعقودان حتى القرن التاسع عشر كما نراه في بعض الرسوم والصور، إن كان في إيران أو الجزائر. ونعثر عليهما لا نزال في يومنا هذا في آسيا الوسطى.
[xiii] بُعِث جورج الأنطاكي وزير روجر الثاني إلى مصر حيث استُقبِل أحسن استقبال. وقد ذُكِر تبادل الهدايا في رسالة بين الخليفة والملك المسيحي.
[xiv] كما نرى على سبيل المثال في أَسقف جامع القرويين في فاس وقبة محراب مسجد تينمال. للمقارنات الأخرى انظر إلى Grube & Johns, op. cit. p. 98-111. فرسوم القُبَيبات داخل النجوم في كنيسة قصر باليرمو تكاد تكون نفس رسوم قبة محراب الجامع الكبير في قرطبة (966) ومحراب قبة علي بن يوسف (بين سنتي 1106 و1142) في مراكش.
[xv] على ما كان ضريحاً في هذه الكاتدرائية.
[xvi] جامع القيروان الكبير وجامع قرطبة الكبير. كما ثمة قطع من قصور سامراء والرقة ذات زخارف غير تشخيصية.
Allan, J. W., « The Transmission of Decorated Ceiling in the Early Islamic World », in Hackmann, W. D. ; Turner, A. J. (éds), Learning, Language and Invention: Essays Presented to Francis Maddison, Aldershot : Variorum, 1994, p. 1-31
Gelfer-Jørgensen, M., « The Islamic Paintings in Cefalù Cathedral, Sicily », in Hafnia, Copenhagen Papers in the History of Art, 1978, p. 107-168
Golvin, L., « Les plafonds à muqarnas de la Qal'a des Banû Hammâd et leur influence possible sur l'art de la Sicile à la période normande », in Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, 17, 1974, p. 63-69
Grube, E. J. ; Johns, J., The Painted Ceilings of the Cappella Palatina, Genève/New-york, 2005, « Islamic Art », supp. I
Jones, D., « The Capella Palatina in Palermo: Problems of attribution », in AARP : Art and Archaeology Research Papers, 2, 1972, p. 41-57
Monneret de Villard, U., Le Pitture musulmane al soffitto della capella palatina in Palermo, Rome : La liberia dello stato, 1950
Tabbaa, Y., « The Muqarnas Dome: Its Origin and Meaning », in Muqarnas, 3, 1985, p. 61-7