تهدف المنمنمة إلى إضفاء قيمة على النص وإعطائه نوع من الشرح المرئي، كما أنّها زيّنت المخطوطات منذ القرون الأولى. فبفضل مصادر خطيّة، نعلم أنّ العديد من مخطوطات البردي كانت مزخرفة بالصور، كما كثر إنتاج النصوص من مختلف الأنواع التي تتضمّن صوراً، فيما نشط سوق الكتاب كثيراً. فقد أدخل استخدام الرق والمخطوطات القديمة إمكانيّات كانت مجهولة حتّى تاريخه. وإذ لم تعد أوراق الرق المسطّحة تطوى كما ورق البردي، صار من الممكن استخدام طبقات طلاء كثيفة أكثر. في القرن الرابع، كانت المنمنمات قد بلغت مستوى فنياً رفيعاً لتتحوّل إلى فنّ أساسي.
<!--[if !supportEmptyParas]--><!--[endif]-->
لم تكن المنمنمات تُرسم سوى في الهوامش على مخطوطات البردي فيما سمح استخدام الرقّ وبالأخص المخطوطات، بأن تغطّي المنمنمات كامل الصفحة لتستخدم كلوحات مستقلّة إلى جانب إدراجها في النص، كإفريز أو في جدول. تُرسم المنمنمات الهامشيّة بعد إكمال نسخ النص، وترافق الصور المستخدمة في الهوامش النص غير أنّها لا تتداخل وإياه فعليّاً. كما يسمح غياب الإطار للصورة بانتشارها على مساحة أكثر حرية وعكس تطورها السردي. من جهة أخرى، تستقلّ المنمنمة على كامل الصفحة عن إطارها النصي لتكسب حريّة مطلقة وقوّة روائيّة. بالتالي تصير المنمنمات لوحات كاملة فتؤدّي دور الصور المتنقّلة.
<!--[if !supportEmptyParas]--><!--[endif]-->
مع اعتماد نظام التصوير في إفريز أو جدول مؤطّر، تكسر الصورة وحدة النص. فتصير العلاقة بين النص والصورة علاقة تكامل والصلات أكثر حسيّة. ويتفسّر استمرار هذا النوع من تصميم الصفحات بالمزايا التي يقدمها. فهو يتيح إمكانيّة تصوير النص عند الضرورة عبر التجاور المباشر بين النص والصورة التفسيريّة. يحفظ التصوير في الإفريز حريّة مشابهة للتصوير الهامشي نظراً إلى غياب أي إطار للمساحة المخصّصة له. وبقي هذا النوع من الزخرفة محدوداً في أواسط الحقبة البيزنطيّة. تسمح هذه التقنيّة من التصوير بتجاور عدّة مشاهد متتالية على حقل تصويري واحد. ويقطع الإفريز بشكل شرائط طويلة ورفيعة النص في عدّة أماكن، بمسافة محدودة قبل المقطع الذي تستهدفه الصور أو بعده، فيتمكّن الفنان بذلك من أن يعبّر عن رغبة واضحة في متابعة النص عن قرب، ولا يخفى أنّه يحبّذ السرد عبر الصور.
<!--[if !supportEmptyParas]--><!--[endif]-->
تُرسم المنمنمات بعد الإنتهاء من نسخ النص. بالنسبة إلى تلك المدمجة في النص، يقوم الناسخ عند نسخ النص، برسم إطار بالحبر الأحمر يهدف إلى تحديد المساحة حيث سيقوم فنّان المنمنمات في وقت لاحق بإنجاز عمله. ويقوم الفنّان برسم الخطوط العريضة لعمله أوّلاً ثمّ يضع الخلفيّة الذهبيّة على طبقة من الطلاء. وتسمح طبقة الطلاء هذه بالتصاق أفضل للذهب على الرقّ، إلى جانب توفير مقاومة أفضل على مر الزمن. بعد إنجاز الرسم، يقوم بتلوين كلّ جزء من المنمنمة على حدة، بدءاً بالهندسة في المستوى الخلفي من المشهد. في مرحلة ثانية، ينجز الرسم الإعدادي للوجوه، ويمرّر أولى ضربات الريشة على الثياب. بعد أن ينتهي من المساحات الكبيرة لموضوعه، يحدّد بدقّة التفاصيل الصغيرة في رسمه عبر استخدام ريشة أرفع، ولوحة ألوان مع مختلف ظلال الألوان الرئيسيّة.
<!--[if !supportEmptyParas]--><!--[endif]-->
منذ القرون الأولى، تمّ تصوير نصوص علميّة وأدبيّة وحتّى دينيّة، وإذ يبقى عدد النماذج المحفوظة محدوداً غير أنّ منمنماتها تشهد على المذهب الإنتقائي في اختيار المشاهد وتصويرها. في أغلب الحالات بقيت المنمنمات في الهوامش (كتاب Genèse de Vienne، إنجيل رابولا، إنجيل روزانو) أو على كامل الصفحة (تقويم فيلوكالوس في العام 354، وكتاب Dioscoride de Vienne). غير أنّ المنمنمات المدمجة في النص لم تغِب (Ilias Ambrosiana).
<!--[if !supportEmptyParas]--><!--[endif]-->
بعد مرحلة هرطقة تحطيم الصور، كثر إنتاج الكتب بحدّة، فيما ازدهر تصوير كلّ أنواع المخطوطات وتحسّنت نوعيّة التنفيذ. تكشف المخطوطات المصوّرة من القرن العاشر عن تأثير العصور القديمة، التي أصبحت في هذه المرحلة موضوع دراسات وتقليد. فيما تكشف المناظر الريفيّة والهندسات الكلاسيكيّة والقصص الرمزيّة والتشخيصات وتصوير الشخصيّات والأزياء عن استيحاء الفنّانين من العصور القديمة. وقد شكّل تصوير المؤلّفات الأدبيّة أو الطبيّة (كتاب Theriaca لنيكاندر) من أولى الأعمال الي تعتمد مشاهد أسطوريّة وريفية وأسلوباً قديماً واضحاً جدّاً. ويميّز الأسلوب عينه أيضاً المنمنمات في المخطوطات الدينيّة الشهيرة (سفر مزامير باريس). في نهاية القرن العاشر، تغيّر الأسلوب إلى حدّ بعيد: رقّة في المواقف والحركات، وقياسات رشيقة، وأغراض كنسيّة، وتعبير في الوجوه، وواقعيّة في نقل الصور (سفر مزامير ثيودوروس). وصارت التراكيب أغنى بالتفاصيل لتزيد من دقّة الصورة السرديّة<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]-->. فيما بدت الصور في أماكن مختلفة أقل تعبيراً لكن غنيّة برمزيّة واضحة<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->. وإلى جانب المنمنمات التي تدور مواضيعها حول الدين، كثرت التصويرات الزخرفيّة، كأنسجة كاملة مزخرفة بصور مستوحاة من الرسوم الإسلامية، لتشكّل دليلاً على براعة راسمي المنمنمات الفريدة<!--[if !supportFootnotes]-->[3]<!--[endif]-->. ولم تُستثنَ النصوص التاريخيّة والدنيويّة، حتّى ولو كانت تنسخ بوتيرة أقلّ من القرون السابقة (حوليّات جان سكيليتزس). واستمرّ نسخ الأعمال القديمة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ليشمل كتاب الأوديسة والإلياذة لهوميروس، أو كتباً علميّة كفنون الصيد لـPseudo-Oppien أو كتاب La Tactique لإيليان، وهي قراءات ضروريّة لكل بيزنطي مثقّف. <!--[endif]-->
وبقيت المخطوطات البيزنطيّة مزخرفة بالمنمنمات على مرّ القرون، غير أنّ عددها تناقص كثيراً منذ نهاية القرن الثالث عشر. ومن بين أكثر الأعمال براعةً، بعض المخطوطات الإمبراطوريّة، حيث بقي التصوير محدوداً بصور الأباطرة وهي منفّذة وفق قواعد فنّ آل باليولوج<!--[if !supportFootnotes]-->[4]<!--[endif]-->.
بدأ تزويق الكتاب في الإسلام مبكراً كما تشهد عليه الدراسات التي أُجريت مؤخراً. وكان التزويق في البداية بسيطاً ثم بدأ يحتل مكانا أكبر من مساحة المخطوطة. وتسمح الأمثلة التي بين أيدينا بالقول بأن القرآن الكريم كان أول النصوص العربية التي حملت التزاويق والزخارف. إلاّ أن مكتبات العالم الإسلامي قد وقعت مبكراً ضحية لتاريخ مضطرب وهائج، ممّا يجعل من الصعب التوصل إلى نتائج عامة انطلاقاً من الآثار الواهية المتبقية من الماضي العريق. بيد أن الاكتشافات الكبرى، كآلاف المقاطع القرآنية التي عُثر عليها في جامع صنعاء في السبعينيات، فتحت آفاقاً جديدة أمام دراسة تاريخ المخطوطات المُزوَّقة في العالم العربي الإسلامي. وتحمل هذه المقاطع التي تعود إلى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، زخارف وتزاويق تعكس تأثير التراث القديم المتأخر والتراث البيزنطي خلال القرون الأولى للإسلام.
هذه الزخارف ذات الوظيفة التزيينية والتي تحمل اسم التزويق تتميز عن الرسوم والصور المرتبطة بالنص والتي تُدعى بالمنمنمات. وبينما تعود الأمثلة على التزويق إلى حقب قديمة، فإن المخطوطات التي تتضمن رسوماً وصوراً لا تعود إلاّ إلى القرن الحادي عشر.
وقد شهد فن التزويق تطوراً سريعاً نسبياً. حيث كان طيف الألوان المستخدمة في البداية محدوداً، وكانت الزخارف رزينة متقشفة ما لبثت أن احتلت مساحة أكبر مقارنة بمساحة النص. وإذ استُخدِم لوضع علامات الوَقف في النص القرآني، أتى التزويق واسعاً أو ضيقاً حسب حجم الآيات التي زيّنها. ثم ظهرت الأفاريز الزخرفية لاحقاً فاصلةً بين السُّوَر، لتظهر في بداية القرن الثامن نقوشُ السُّعيفات المتشابكة في الهوامش. وخلال القرن التالي، تعددت العناوين المُزوَّقة والتدابيج المزخرفة واستُعمل الذهب الخالص بكثرة وازدادت الزخارف تعقيداً لتُكوّن شيئاً فشيئاً أشكالاً هندسية رائعة، ولتتحول التزاويق التشخيصية (أوان، نباتات، عناصر معمارية) إلى أشكال مجردة.
صحيح أن بين أيدينا بعض الوريقات السابقة للقرن الحادي عشر تحمل رسوماً وصوراً، إلاّ أن أول مخطوطة بحروف عربية حملت صوراً بالفعل تعود بالتحديد إلى ما بين سنتي 1009 و1010. هذه المخطوطة الشهيرة المحفوظة في مكتبة بودلي في جامعة أكسفورد، هي كتاب الكواكب الثابتة لعالم الفلك عبد الرحمن الصوفي، نسخها ورسم صورها ابنه على الأرجح. إلا أن رسومها المنفَّذة بالحبر والمنقَّطة بنقاط كبيرة حمراء أقرب في طرازها إلى الطراز السائد آنذاك في إيران الساسانية منه إلى تقاليد التصوير المنتشرة في حوض المتوسط.
لكن تجدر ملاحظة أننا هنا إزاء بداية إنتاج المخطوطات العلمية المُصوَّرة الذي بلغ أوجه في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. والتنوع الملحوظ لهذه النصوص شمل بشكل أساسي موضوعين رئيسيين، وهما العلوم والآداب. ففي إطار العلوم ثمة كتب الحيوان والأقرباذين (الصيدلة) والجغرافيا وعلم الحيل (الميكانيكا والآلات) ونشأة الكون وعلم الهيئة (الفلك ووصف الكون) وطب الخيل (البيطرة). وفي كافة هذه المخطوطات والكتب، أتت الصور تعليمية إرشادية، مثالنا على ذلك الترجمتين العربيتين لكتاب De Materia medica لديوسكوريدِس على الرَّقّ (BnF, ms Arabe 4947) أو على الورق (BnF, ms Arabe 2850)، حيث نرى أن كل إشارة في النص إلى نبتة ما ترافقها دوماً صورة، طبيعية واقعية أو مختزلة مبسطة، لهذه النبتة. وما يجلب الانتباه هو أن هاتين المخطوطتين قد تم تنفيذهما في منطقتين جغرافيتين مختلفتين، في فترة زمنية واحدة تقريباً : المخطوطة على الرَّقّ قد نُسِخَت على الأرجح ورُسمَت صورها في بلاد الرافدين، بينما تشير صور المخطوطة الورقية أنها من إنتاج الغرب الإسلامي.
لكن اسبانيا وشمال إفريقيا على ما يبدو لم تلعبا دوراً هاماً في تاريخ المخطوطات المُصوَّرة : فلم يصلنا منهما إلا بعض الكتب العلمية كمخطوطة ديوسكوريدِس الآنف ذكرها. هذا دون ذكر ندرة المخطوطات الأدبية التي وصلتنا من هاتين المنطقتين والتي من أروعها مخطوطة "حديث بَياض ورِياض"، قصة الحب العربية التي نُسِخَت وزُيِّنَت بأربع عشر منمنمة خلال القرن الثالث عشر، وما زالت محفوظة في مكتبة الفاتيكان (Ms ar. 368). أما في العراق ومصر وسوريا، فإن النصوص الأدبية قد حملت كمّاً كبيراً من الصور. ويسمح عدد الأعمال المنسوخة المُصوَّرة الكبير بالاعتقاد بأنها كانت مرغوبة لدى أوساط سكان المدن والبورجوازيين. فنورد هنا مثالين على هذا الافتتان : كليلة ودمنة، وهي الاقتباس العربي للقصص السنسكريتية المتشابكة والتي شهدت رواجاً واسعاً في العالم الإسلامي، ومقامات الحريري التي تحكي مغامرات شخصين بلغة عربية مسبوكة متينة وصعبة. ولدى المكتبة الوطنية الفرنسية نسختين رائعتين عن هذين العملين، مؤرختين بتاريخ 1237 ومُنجَزتين على يد يحيى بن محمود الواسطي، وهو رسّام مُبدع عُرف بابتعاده عن النص ليقدّم تفسيره الشخصي الممتزج ببعض من التهكم.
شكّل اجتياح الجيوش المغّولية لبغداد سنة 1258 منعطفاً حاسماً في تاريخ المنمنمات. واستمرت مصر وسوريا المملوكيتان بإنتاج المخطوطات المُصوَّرة، لكن بجودة أقلّ وبطراز رسم مصطنع وأشكال محدودة وقوالب جاهزة. وابتداء من القرن الرابع عشر، فإن العالم الإيراني هو الذي عرف أجمل المخطوطات المُصوَّرة، إذ حظي الرسّامون برعاية كبرى السلالات، كسلالة الإيلخانيين. فاغترف فن المنمنمات من تراث الشرق الأقصى حتى ولو أنه أبقى على شيء من طُرُز الماضي. أما فن التزويق فكان له قدر آخر بفضل ارتباطه الوثيق بالنصوص المقدسة على الأرجح، فحافظ على مكانة مرموقة بين الفنون الأخرى، وعاش طويلاً في العالم الإسلامي الغربي وفي حوض المتوسط، إلاّ أنه كان قد فقد شيئاً من إبداعيته الأصلية
تُعتبر المخطوطة المُزوَّقة العائدة للعصر الوسيط قطعةً ثقافية مركّبة حيث تمتزج خطوط الكتابة بالرسوم والصور. وفي المخطوطات الأجمل والأنجح، ثمة تكامل مثالي بين النص والصورة يوضع في خدمة سمو المعنى والكلمة المُلهَمة، لأن الكتاب المُزوّق يبقى، في استخدامه الغربي، الوسيط المفضل للدين المتجسد.
كان يجري نسخ النص دون وضع الأحرف الأولى وعناوين الفصول مع ترك مساحات فارغة مخصصة لها. وكانت توضع حروف في الهوامش لتذكير المُزخرِف الذي سيعمل لاحقاً على رسم الحروف المزخرفة والمزينة بالشخوص. ويحصل في بعض المخطوطات أن لا تُستكمل كافة هذه المراحل، مما يسمح لنا اليوم بالتعرف عليها انطلاقاً من رسم الحروف بقلم الرصاص وصولاً إلى مرحلة التلوين (1: باريس، المكتبة الوطنية الفرنسية، مخطوطة إيطالية 115، الورقة 106: عجيبة إكثار الخبز في "تأملات في حياة المسيح"، توسكانيا، حوالي سنة 1340). وانطلاقاً من القرن الثالث عشر بدأ إنتاج الكتب يخرج من الأديرة لينزل إلى المدار العامي ليصبح في غالبه في يد مشاغل متخصصة حيث يعمل المزخرِفون لصالح الزبائن تحت إشراف معلّم يقوم على ترتيب المخطوطة وتنظيم صورها وتحديد كلفتها وفقاً لرغبات الزبون.
لكن تبقى المخطوطة المزوّقة قطعة كمالية فارهة تضيف مجداً إلى مجد صاحبها إن كان سيداً مدنياً أو مؤسسة دينية. هذا وكانت الصفحات القرمزية أو المزخرفة بزينة ملونة بالذهب وبأصبغة نادرة (كحجر اللازورد أو النيلي المصري أو الدَهنَج) ، مرتبطة في مخيلة العموم بكبرى العائلات الأميرية التي أسست أوروبا. فكتب الصلوات والأناجيل الطقسية الكارولنجية والأوتّونية تحتفل بالسلطان الأرضي مثلما تمجد القوى السماوية (2: باريس، المكتبة الوطنية الفرنسية، مخطوطة لاتينية 1141، الورقة 6: المسيح المنتصر في "كتب صلوات الملك شارل الأقرع"، حوالي سنة 870). ومع حلول الألف الأولى، ساد التفتت السياسي والكوارث المتنوعة التي أثّرت على الممالك الشمالية، فالتجأ فن تزويق المخطوطات إلى الأديرة حيث ظهرت مخطوطات اعتبَرت بعِبَر الماضي القريب والبعيد. ومن بين الأمثلة على هذا الدمج بين النماذج الموروثة عن الفنون الكارولنجية وتأثيرات اللغة التشكيلية المعاصرة، نشير إلى مخطوطة "أناجيل سان بيرتين" التي تحمل صوراً للإنجيليين الأربعة (بولون سور مير، المكتبة البلدية، المخطوطة 11) ومخطوطة "كتاب مزامير أودبير" (بولون سور مير، المكتبة البلدية، المخطوطة 20) اللذين صُنعا في مطلع القرن الحادي عشر في دير سان بيرتين في شمال فرنسا.
شيئاً فشيئاً تعاظم دور الأوساط الرهبانية في صون الثقافة والعلوم القديمة محافظة بذلك على بذور النهضة التي سترى النور في القرن الثاني عشر. ونعثر في دير سان برتين على نسخة عن مؤلف شهير في علم الفلك يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وهو "كتاب الظواهر" للشاعر الإغريقي أراتوس في ترجمته اللاتينية الموروثة عن مخطوطة من مدينة رانس الفرنسية تعود إلى سنوات 840. وكان أودبير قد استعار هذه النسخة اللاتينية لنسخ رسوماتها. لكن وعلى الرغم من التقليد المتقن للنموذج الأصلي، بقي طراز الرسوم في مخطوطتنا ينتمي للنموذج ما قبل الرومي، كما أن المنمنمات لم تعد تُرسم إلا على الجانب الأيسر من الورقة (بولون سور مير، المكتبة البلدية، المخطوطة 188). ويوفر لنا إخراج الصفحات معلومات كثيرة عن الميول الفكرية في ذلك العصر. ومع انتشار استعمال الأحرف الأولى المزينة بشخوص انطلاقاً من سنة 1100، ظهرت حميمية جديدة بين الرسوم والنص جمعت بين البراعة في الرسم والمتعة الجمالية والمُلَح. ولم تعد الزينة موجودة لرفد النص أو تفخيمه فحسب، بل اكتست معنى بحد ذاتها (3: آلبي، المكتبة البلدية، المخطوطة 45، الورقة 20: الحرف الأول من نص مزمور "طوبى للرجل الذي يتّقي الرب"). وفي العصر القوطي، ظهرت صور ثانوية دُعيت بالأُسطورية وهي عبارة عن صور وحوش هجينة وحيوانات متنكرة بأزياء بشر، وُضعت على هوامش الأوراق لتسلية القارئ تُناقض عن قصد النص والصور الرئيسية وفقاً لعملية قلب نقدي راجت في العصر الوسيط (4: باريس، مكتبة سانت جونوفييف، المخطوطة 145، الورقة 63 ظهر و64: تكريس العذارى وغواية عروس البحر). وانطلاقاً من القرن الثالث عشر، ازدادت البراعة في تزويق الكتب وأصبحت باريس ولقرنين من الزمن عاصمة التزويق في الغرب، فقصدها الفنانون والحرفيون من شمال أوروبا على وجه الخصوص مع تزايد الطلب على المخطوطات المزوّقة. ومع ازدهار الجامعة وتوسع المدن والتجارة، ظهر نوع جديد من الزبائن من المعلمين والبورجوازيين وصغار النبلاء الذين أقبلوا على كتب التقوى والمناسك والمؤلفات القانونية وغيرها من الروايات والأخبار والحوليات والمؤلفات العملية والعلمية. هذا وقد قامت بلانش دي كاستيلاّ الوصية على عرش فرنسا سنة 1226 بافتتاح تقليد رعاية نساء العائلة الملكية للفنون والحرف من خلال طلبها لنسخة من الكتاب المقدّس المُفسَّر في ثلاثة مجلدات تُعتبر ديواناً مرجعياً للصور استُعمل في التعليم الديني والسياسي لابنها الذي سيصبح الملك لويس التاسع. وبعد نصف قرن، قام المزخرِف جان بوندولف دي بروج برسم صورة الملك شارل الخامس على الصفحة الأولى من مجلد "الكتاب المقدّس بترجمته الفرنسية الأولى بإهداء من جان دي فودوتار" (5: لاهاي، متحف ريجك، المخطوطة 10 B 23، 1371). واللوحة عبارة عن صورة للملك شارل يستلم مخطوطة الكتاب المقدس من يديّ كاتبها، ونرى هذه المخطوطة مزوّقة تحمل صورة المسيح المنتصر جالساً على العرش. أما كتب الأجبية (أي كتب صلوات السواعي اليومية) فقد راجت في القرن الرابع عشر وأتاحت الفرصة لإضفاء طابع شخصي على المخطوطات، فكان غنى الزخارف انعكاساً للوضع الاجتماعي لصاحب الكتاب. ويُعتبر كتاب الأجبية لصاحبه الدوق دي بيري (شانتيللي، متحف كونديه) من أهم التحف العائدة إلى نهاية العصر الوسيط. وبالمناسبة، لم يستطع الأخوان ليمبورغ القادمان من نيميج إكمال تزويق هذه المخطوطة عند وفاتهما سنة 1416. لكن تزويق المخطوطات شهد ازدهاراً وتجديداً في الكتب العامية الدنيوية، إذ انفتح على التيار الطبيعاني القادم من بلاد الفلمنديين ومن إيطاليا، وذلك بدعم ورعاية من الأمراء. و"كتاب الصيد" الذي كتبه الكونت فواكس جاستون فيبوس بين سنتي 1387 و1390 والذي يُعتبر أحد كلاسيكيات آداب الصيد وفنونه والذي عرف رواجاً في القرن الخامس عشر، يبدو أنه كان أيضاً من أوائل المؤلفات الفنية ذوات الصور في العصر الحديث (نسخة المكتبة الوطنية الفرنسية، مخطوطة فرنسية 616، تعود لسنوات 1305-1310. 6: الورقة 40 ظهر، عناية خاصة برسوم كلاب الصيد). كما أن "كتاب الأغاني" لجان دي مونتشينو (المكتبة الوطنية الفرنسية، روتشيلد 2973، حوالي سنة 1475) بأوراقه المقصوصة على شكل قلب، يُعتبر ديواناً ممتعاً لأغاني الحب على موسيقى مستعارة من أشهر المعزوفات في ذلك الزمان. وها هو جان فوكيه أكبر الرسامين والمزخرفين الفرنسيين في القرن الخامس عشر يضع عبقريته في الرسم في سلسلة من المنمنمات التي تصور بتصرف الحلقات الرئيسية من التاريخ اليهودي (المكتبة الوطنية الفرنسية، مخطوطة فرنسية 247، حوالي سنة 1465، "الآثار اليهودية" للمؤرخ فلافيوس جوزيف).
Déroche, F., Le livre manuscrit arabe. Préludes à une histoire, Paris, BnF, 2004, p. 113-134
Déroche, F., The Abbasid tradition: Qur’ans of the 8th to the 10th centuries A. D., Londres, Azimuth editions, coll. « The Nasser D. Khalili Collection of Islamic Art » (I), 1992
Ettinghausen, R., La Peinture arabe, Genève, Skira, 1962
Guesdon, M.-G., Vernay-Nouri, A. (dirs), L’Art du livre arabe. Du manuscrit au livre d’artiste, Paris, BnF, 2001
Grabar, O., L’Ornement. Formes et fonctions dans l’art islamique, Paris, Flammarion, 1996
Haldane, D., Mamluk painting, Warminster, Aris and Phillips Ltd., 1978
James, D., The Master Scribes: Qur’ans of the 10th to the 14th centuries A. D., Londres, coll. “The Nasser D. Khalili Collection of Islamic Art” (II), 1992
[1]<!--[endif]--> Paris BN gr. 74
<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]--> Rome. B.V. Urbinus gr. 2
<!--[if !supportFootnotes]-->[3]<!--[endif]--> Paris BN gr. 64
<!--[if !supportFootnotes]-->[4]<!--[endif]--> Œuvres Théologiques de Jean Cantacuzène Paris B.N. gr. 1242, Œuvres d’Hippocrate Paris B.N. gr. 2144
| المشروع | معرض متنقل | زيارة افتراضية | كاتالوغ | روابط | حقوق النشر | اتصال | ![]() |
![]() |
![]() |
| حقوق الطبع قنطرة 2008-جميع الحقوق محفوظة |