عندما ظهرت قبائل من مجموعة زناتة شمالي المغرب في مطلع القرن الثالث عشر، لم يكن من شيء يهيِّئ عشيرة المرينيّين إلى تأسيس إحدى أهمّ سلالات ما بعد الحقبة الموحّديّة. وعلى خلاف أسلافهم، لم ينتسب المرينيّون إلى أيّ حركة سياسيّة أو دينيّة مُصلِحة. فمع ضعف نفوذ الموحّدين بعد هزيمة لاس نافاس دي تولوسا Las Navas de Tolosa، شرعت القبائل المرينيّة في التوسّع في الريف وفي الغرب. وفي العام 1242، قطع المرينيّون علاقتهم بالخلافة الموحّديّة في مرّاكش ووضعوا أنفسهم مؤقّتًا تحت السلطة الاسميّة للحفصيّين. واستمرّ التوسّع المرينيّ في عهد أبي يحيى (حكم 1244 - 1258) وبشكل خاصّ في عهد أبي يوسف يعقوب (حكم 1258 - 1286)، الذي نجح في استبعاد آخر خليفة موحّديّ، الواثق (حكم 1266 - 1269)، واحتلّ مرّاكش. لكنّ الكثير من المدن والمناطق في المغرب الأقصى بقيت بيد سلطات محليّة، مثل اليدّاريّين في سوسة أو العزَفيّين في سبتة Ceuta. أمّا مقاومة مدينة الخنساء Sijilmâsa، وهي محطّة أساسيّة للتجارة عبر الصحراء، فقد تمّ إخضاعها بعد حصار طويل في العام 1274.
وبما أنّ السلطة المرينيّة لم تكن صادرة عن أيّ برنامج سياسيّ مُعَرَّف بوضوح، فقد واجهت سريعًا أزمة شرعيّتها. وعرّف أبو يوسف عن نفسه بأنّه أمير المسلمين، وهو لقب تباهى به المرابطون في السابق، وسمح بتأمين مظهر وحدة الخلافة. وكان مجيء المرينيّين مرادف للعودة إلى المالكيّة التي فرضت نفسها كمذهب البلاد الرسميّ. وصارت مدينة فاس مقرًّا أساسيًّا للنتاج القانونيّ واستقبلت العديد من العلماء والفقهاء، من بينهم الوانشريسيّ (الذي توفّي في العام 1508)، وهو كاتب المجموعة الأساسيّة في الاجتهاد المالكيّ. أمّا المدارس، وهي مؤسّسات رسميّة تعليميّة شيّدتها السلطة المرينيّة، فكانت تُنَشِّئ النخَب الدينيّة والقانونيّة في البلاد.
وفي العام 1276، أسّس الملك المرينيّ أبو يوسف مدينة أميريّة جديدة، فاس الجديد، وانعزل هكذا عن سكّان فاس الذين لم يحبِّذوه. أما المخزن المرينيّ، الذي ورث طُرُق سير عمل الموحّدين، وَجَدَ مذ ذاك مركزه في المدينة الجديدة التي استقبلت بشكل خاص وحدات جيش مختلَط يؤمّن الخدمة فيه مرتزقة مسيحيّون وأندلسيّون وغُزّ (مرتزقة أتراك). وفي حرم المدينة الجديدة، تمّ تشييد ملّة، وهو حيّ مخصَّص ليهود المرينيّين. وخصَّص أيضًا ملوك المرينيّين مقابر ملكيّة لأنفسهم، أهمّها مقبرة شلّة.
وعلى خلاف أسلافهم المرابطين والموحّدين، لم ينجح المرينيّون إطلاقًا في التأصُّل طويلاً في الأندلس، حتّى مع تدخّل أبي يوسف فيها بعمليّات عسكريّة عديدة وتأسيسه مدينة أميريّة أخرى فيها، البِنيَة، بالقرب من ألخيسيراس Algésiras. أمّا علاقة المرينيّين ببني نصر فقد تميّزت بتدخّل متبادل في الشؤون الداخليّة وأزمات القصور في السلالتين.
وركز خَلَفَ أبي يوسف، أبا يعقوب (حكم 1286 - 1307)، جهده العسكريّ على الصراع ضدّ بني عبد الواد الذين بقيت عاصمتهم تلمسان محاصرة لثماني سنوات، ليخنقها من ثمّ بتأسيس مدينة أميريّة وعسكريّة، المنصورة.
وبلغ تفوُّق المرينيّين الإقليميّ ذروته خلال الربع الثاني من القرن الرابع عشر. وفي الأندلس، مضوا في المشاركة في المعركة ليسودوا مضيق جبل طارق، لكنّ تدخّلهم انتهى بهزيمة كبيرة في ريو سالادو Rio Salado أمام الجيوش القشتاليّة والبرتغاليّة في العام 1340. أمّا أبو الحسن (حكم 1331 - 1351)، فقد قاد أيضًا سياسة توسّعيّة ضدّ جيرانه في تلمسان التي سقطت في العام 1337. واستغلّ الملك المرينيّ ضعف النفوذ الحفصيّ، واحتلّ أفريقيا في العام 1347، لكنّه اضطُرَّ إلى التخلّي عن ذلك المشروع إزاء مقاومة القبائل العربيّة وبشكل خاصّ بسبب انشقاق ابنه أبي عنان (حكم 1349 - 1359)، الذي آل به الأمر إلى الاستيلاء على الحكم وتكرار مشروع أبيه من دون أن يحقِّق نتيجة أفضل. وعند وفاة أبي عنان، أنهكت النفوذَ المرينيّ صراعاتٌ كثيرة حول مَن يَخلفه، وفقَدَ المرينيّون تدريجيًّا سلطتهم على الأجزاء الجنوبيّة من أرضهم. واحتكر العديد من الوزراء القرار السياسيّ وبرز من بينهم الوطّاسيّون، الذين ينتمون إلى المجموعة القبليّة نفسها للمرينيّين، أي بني زناتة. وبعد أن وضع الوطّاسيّون السلاطين المرينيّين تحت الوصاية لوقت طويل، آل بهم الأمر إلى الاستيلاء على الحكم في فاس في العام 1471. ومع أرضٍ محدودة في النصف الشمالي من المغرب، وإزاء تضاعف المعارضات الداخليّة، وخطر التوسّعات الإيبيريّة (البرتغاليّة بشكل خاصّ)، ومن ثمّ العثمانيّة، حافظ الوطّاسيوّن على الحكم بصعوبة خلال أقلّ من قرن. وإنّ صعود السعديّين على نحوٍ لا يُقاوَم قضى على الوطّاسيّين، الذين انتهى حكمهم مع الاستيلاء النهائيّ على فاس في العام 1554.
خلال ذلك التاريخ الطويل، عزّزت الأزمة السياسيّة بُروز أمرين هامّين وتجذّرهما، أمران سيحدّدان بنية المجتمع المغربيّ لغاية الحقبة الحاليّة : الشريفيّة، وهي المطالبة بالاعتبار بسبب أصل يرجع إلى أهل النبيّ، والمرابطيّة (الصوفيّة الأخويّة) التي امتدّت بشكلٍ خاصّ بدءًا من القرن الخامس عشر كشكلٍ من أشكال التقوى الجماعيّة والصلة الاجتماعيّة.
أما بالنسبة لتاريخ الفنّ المرينيّ فهو انعكاسٌ لتاريخ السلالة : قرنٌ أوّل زاهٍ، تَلَتْهُ فترة طويلة من الركود الناجم عن زوال الرعاية العامة للآداب والفنون والعلوم في آخِر عهد المرينيّين والوطّاسيّين. وإنّ الهندسة المعماريّة الدينيّة المرينيّة هي امتداد في خطوطها الكبرى لإرث السلالات السابقة. ففي التصاميم، يُسَجَّل تفضيلٌ للفناءات المربّعة والأبنية التي تنبسط بعمق. وقد تمّ حفظ الكثير الكثير من الجوامع الكبرى أو المصلّيات المرينيّة. ومن بين أهمّها الجامع الكبير في فاس الجديد، الذي شُيِّدَ في العام 1276 في الفترة نفسها لتشييد المدينة الأميريّة. وإنّ الأجنحة السبعة التي تؤلّفه فهي متعامدة مع جدار القِبلة، الذي يتقدّمه جناحٌ مستعرِض. ويحدّ الفناء أروقة تشكّل امتدادًا للأجنحة الجانبيّة. وفي تازا، خضع الجامع الموحّديّ لأعمال توسيع في العام 1291؛ فقد تمّ تشييد قبّة مبنيّة على تعريقات أمام المحراب. وبشكل متناقض، طبع عمل المرينيّين كثيرًا تلمسان، المدينة التي عذبوها بشدّة بحصاراتهم الطويلة. ويتميّز جامع المنصورة الذي تمّ تشييده في العام 1303 بتصميم عاديّ وتناظريّ، عرف بعض الابتكارات. فإنّ الباب الرئيسيّ يقع في قاعدة المئذنة، التي تقع بدورها في محور المحراب. وإنّ أجنحة المصلّى المتعامدة مع جدار القِبلة، تصطدم بثلاثة أجنحة مستعرِضة موضوعة على جهتَي مربّع يتقدّم المحراب. وإنّ هذا الأخير محفورٌ في مبنى مربّع، يبرز خارج الجامع، ويؤوي مصلّى للصلاة المأتميّة. وتنضمّ مآذن الجوامع المرينيّة هي أيضًا إلى استمراريّة التقليد الموحّديّ. وتغطّي الضفائر المعيِّنة الجزء الأساسيّ من هيكل المبنى، وهي مُرَصَّعة بمربّعات من الخزف، مِمّا يضيف أثرًا باهرًا لتعدّد الألوان.
وتشكّل المدارس مجموعات تركت أثرها في الفنّ المرينيّ. وإذ ظهرت المدرسة أوّلاً في فاس في العام 1271، بدأت بالانتشار في المجال المرينيّ كمؤسسة أساسيّة للتعليم منذ العقد الثالث من القرن الرابع عشر. وإذا ما ميّزنا بين نوعين كبيرَين من التصاميم، أحدهما يمتدّ بالطول (كالصهريج والعطّارين في فاس ؛ ومدرسة أبي الحسن في سلا Salé)، والآخر يعتمد الشكل المُرَبَّع (البوعنانيّة في فاس ومكناس Meknès) فيبقى التنظيم الهندسيّ الداخليّ متنوّعًا للغاية. وإنّ الفناء المركزيّ، المستطيل أو المربّع، هو العنصر المركزيّ الذي تنتظم حوله حُجرات الطلاّب، ويُستَخدَم المصلّى في أغلب الأحيان كقاعة دَرْس. ويزيّن الفناءَ عنصرٌ مائيٌّ هو فسقيّة بشكل عام ؛ ووحدها مدرسة الصهريج في فاس تتضمّن حوضًا كبيرًا تُدين له باسمها على كلّ حال. وإنّ المصلّيات بسيطة عمومًا، باستثناء مصلّى مدرسة البوعنانيّة في فاس. وإنّ بعض المدارس مزوّد بمآذن (الصفّارين والبوعنانيّة في فاس ؛ ومدرسة مقبرة شلّة).
وتشهد زينة الواجهات المطلّة على الفناء بسعي الفنّانين المرينيّين وراء الجمال. وإنّ هذه الزينة المتناسقة والمتّزنة هي حاجبة بالأحرى؛ وتناوِب مواد وأساليب متنوّعة : أوّلاً تلبيسات الزلّيج، وهي ترصيعات من بلاطات خزفيّة، تليها إفريزات كتابيّة ولوحات من ترتيب الزهور بجصّ المرمر المنحوت. أمّا الخشب، الذي تمّ تنفيذه بمهارةٍ وتقنيّة عالية وببراعة في التزيين، فقد شكّل مجموعة الزخارف العليا في الواجهة. ويؤمّن أثر الألوان في هذا التجمُّع مردودًا جماليًّا ذا نوعيّة عالية.
وإنّ الجماليّة المرينيّة، بتمايزها عن عظمة الفنّ الموحّديّ وبساطته، مطبوعة بشكل خاصّ بوفرة الترتيبات الزخرفية والعناية الخاصة بالتفاصيل.
| المشروع | معرض متنقل | زيارة افتراضية | كاتالوغ | روابط | حقوق النشر | اتصال | ![]() |
![]() |
![]() |
| حقوق الطبع قنطرة 2008-جميع الحقوق محفوظة |