Qantara

الأدب

الأدب البيزنطي

يشمل الأدب البيزنطي الأدب اليوناني المنبثق من الجزء الشرقي من الإمبراطوريّة الرومانيّة منذ عهد قسطنطين (حكم 305-337)، أو في بعض الأحيان منذ عهد جستنيان (حكم 527-565)، حتّى سقوط القسطنطينيّة في العام 1453. ينقسم تاريخ هذا الأدب إلى عدة مراحل مختلفة، غير أنّه يقوم أيضاً على خطوط عامّة هي التي تحدّد هويّته.

تنقسم الألفيّة البيزنطيّة وفق حد يفصل بين أواخر العصور القديمة والعصور الوسطى. في القرن السادس، حدّ تراجع المدن من التطوّر في حين أدّت الإجتياحات في القرن السابع إلى وضع حدّ نهائي له. وإذ كانت الإمبراطوريّة في عهد جستنيان تضمّ إلى جانب إيطاليا وأفريقيا اللتين أُعيد احتلالهما، كل الشرق المتوسّطي، وتشمل إلى جانب العاصمة مدناً مهمّة، انحصرت بعد العصور المظلمة (من أواسط القرن السابع حتّى نهاية القرن الثامن)، بآسيا الصغرى والبلقان فيما شملت مركزاً واحداً هو القسطنطينيّة. في القرن التاسع، شهدت الإمبراطوريّة نهضة، لن يعرف الأدب البيزنطي من بعدها أي توقّف إنتاجي. غير أنّ سقوط القسطنطينيّة في الحملة الصليبيّة في العام 1204 أدّى إلى توقّف مؤقّت، لكن مع استرجاع العاصمة (1261)، عرفت حقبة آل باليولوج (1261-1453)، الذين استفادوا من النشاطات التي أنجزت في إمبراطوريّة نيقية (1204-1261) نهضة أخيرة.

تميّز الأدب البيزنطي في كلّ حقبة بعلاقته مع الهلينيّة القديمة. ويمكن التكلّم عن استمراريّة حتّى القرن السابع. لكن في العصور المظلمة، انقطعت هذه العلاقة ووجد البيزنطيّون أنفسهم في القرن التاسع مرغمين على إعادة نبش تاريخهم واستكشاف النصوص القديمة التي سينقلونها إلينا.

شكّلت الأعمال القديمة بالنسبة إلى البيزنطيّين نماذج يمكن تقليدها. فهم قد تعلّموها في المدرسة حيث تبقى الثقافة محصورة بالطبقة الرفيعة. وشكّل التقليد، أكثر من الإبتكار، مرجعاً أساسيّاً للأعمال الأدبيّة. منذ عهد أثينا الكلاسيكي، تطوّرت اللغة اليونانيّة كثيراً، لكن بالنسبة إلى المؤلّفين من العلماء، بقيت اللغة الأتيكيّة هي النموذج، في حين لم ينفكّ ازدياد الفصل بين اللغة الأدبيّة واليونانيّة المستخدمة. بلغنا بعض النصوص المكتوبة بلغة أبسط، غير أنّ اللغة اليونانيّة المكتوبة تختلف دائماً عن اللغة المحكيّة، التي لم تظهر في الأدب قبل القرن الثاني عشر.

عند البيزنطيّين، اختلطت المسيحيّة بالهيلينيّة، واقتبس المؤلّفون إلى جانب هوميروس وهيزود العهدين القديم والجديد فيما كرّموا كذلك مؤلّفات مسيحيّة على مثال القديس إغريغوريوس النزينزي (القرن الرابع). غير أنّ هذه المرجعيّة الثنائيّة متفاوتة الدقّة في النصوص، حيث بقي المدى شاسعاً انطلاقاً من أدب ديني وافر وبنوعيّة رفيعة وصولاً إلى الكتابات المسيئة للدين.

بقي الأدب البيزنطي أدباً من القرون الوسطى، وقد اختلف عن النموذج القديم الذي زعم أنّه يقلّده. فقد زالت بعض الأنواع على مثال المسرح، فيما تراجع وجود أنواع أخرى كالشعر أو أنّها اتّخذت أشكالاً جديدة. فيما استمرّ علم البيان والخطابة على دقّته وهو بالغ الأهميّة في بيزنطة مع فصاحة الأبّهة وفنّ كتابة الرسائل. أمّا التاريخ وهو عامل قوّة من جهته، فهو يختلف عن التاريخ القديم، حتّى ولو قام بعض الكتّاب حتّى القرن الخامس عشر بالعودة إلى ثوكيديدس كمرجع. واستوحت الرواية البيزنطيّة في القرن الثاني عشر من رواية أواخر العصور القديمة، غير أنّها تخلصت من قبضتها في عصر آل باليولوج. وازدهر فنّ سردي مختلف: سير القدّيسين وهو فنّ أدبي هيمن في بعض المراحل على الإنتاج الأدبي. وفي أدب لا يمكن حدّه بالأعمال الترفيهيّة، لا بدّ أن تُذكر نشاطات الكتّاب في العالم الموسوعي: على مثال بسلّوس في القرن الحادي عشر أو غريغوراس وباشيمار في مرحلة لاحقة.

أمّا الكتّاب فينتمون إلى أواسط متنوّعة، من الراهب البسيط إلى الإمبراطور. غير أنّ عددهم محدود بالنسبة إلى الأدب العلمي فيما أنّ المثقّفين، القاطنين في العاصمة قريبون من الإدارة الملكيّة أو طبقة الإكليروس الرفيعة. في القرن الثاني عشر، ظهرت صورة جديدة للكاتب الذي يعتاش من كتاباته، بفضل رعاية الطبقة الأرستقراطيّة. لا بدّ أنّ الكتاب العلماء كانوا يستهدفون أساساً أعيانهم في كتاباتهم، غير أنّ بعض الأعمال قصدت جماهير أوسع. وقد نُقل الأدب البيزنطي من خلال مخطوطات منسوخة، ثمّ انطلاقاً من القرن الثامن، منقولة في كتابة جديدة وهي الأحرف الصغيرة التي حلت تدريجيّاً مكان أحرف البداية القديمة. في العصور الوسطى، بقي الكتاب البيزنطي المصنوع من الرقّ أو الورق مكلفاً ونادراً. وتُذكر في هذا الإطار الأعمال المقروءة، بالأخص النصوص الدينيّة المتليّة في الكنائس أو الأديار إلى جانب النصوص الدنيويّة المقروءة في ندوات المستمعين. غير أنّ انتشار الأدب البيزنطي بقي محدوداً نسبيّاً.

وأبعد من هذه الخطوط العامّة، ينقسم الأدب البيزنطي إلى مراحل متباينة، يشكّل بعض الكتّاب مرجعاً لكل منها.

حتّى القرن السابع، نشطت عدّة مراكز وشملت إنتاجاتها أعمالاً دينيّة أو دنيويّة وحتّى مسيئة للدين. في الإسكندريّة، بقيت الفلسفة أحد أساسات الوثنيّة مع سيمبليسيوس، قبل أن ترتدّ إلى المسيحيّة. مع التوجّه شمالاً، افتخرت غزّة بخطبائها. فيما نقل بروكوبوس من القيصريّة، وخليفه أغاسياس التاريخ الملحد والكلاسيكيّ وزهاء العام 640، خلفهما تيوفيلاكت سيموكاتا. فيما بقيت بعض أنواع الشعر القديم منتجة: القصائد الهجائيّة (أغاسياس)، والوصف بأبيات (بولس المنظم). غير أنّ الأدب المسيحي فرض نفسه بقوّته. وفي الفن الأدبي التاريخي، تطوّر أسلوب أكثر شعبيّة إلى جانب التاريخ الكنسي، وهو تسلسل الأحداث الزمني، المنقول على يد جان مالالاس في عهد الإمبراطور جستنيان. وفي المرحلة عينها، نشط القديس رومانوس المرنّم، وقد حرّر قصائده الدينيّة من قواعد العروض الكلاسيكيّة. وازدهرت سير القديسين مع سيريل من تل بيت شان (القرن السادس) أو ليونس من نابولي (القرن السابع)، إلى جانب أعمال ناجحة على مثال " la Vie de Mariel'Égyptienne " أو "Pré spirituel" لجان موشوس، فيما شجّعت الكفاحات في علم اللاهوت المسيحي تطوّر علم اللاهوت.

مع نهاية القرن السادس، تراجع الأدب المسيء للدين، فيما استمرّ الأدب الديني لمدّة أطول مع كتّاب على مثال القديس ماكسيموس المعترف أو يوحنا السلمي و"سلّم الفردوس"، غير أنّ بيزنطة كانت تغرق في العصور المظلمة. وبقي بعض المؤلّفين الدينيّين نشيطين على مثال جرمان من القسطنطينيّة، أو يوحنّا الدمشقي في الأراضي الإسلاميّة، لكن يجدر الانتظار حتّى نهاية القرن الثامن لرؤية تجدّد في العاصمة مع نيسفوروس وكتاب "Histoire brève" الذي يشير، زهاء العام 760، إلى يقظة في الفنّ التأريخي. في خلال المرحلة الثانية من هرطقة تحطيم الصور (815-843)، تشير وفرة الأدب الديني ونوعيّته مع القديس ثيودوروس من دير ستوذيوس ونيسفوروس إلى تغيّر في الجو الثقافي.

بعد أواسط القرن التاسع، تجسّدت نهضة الأدب بالأسقف فوثيوس (810-893 تقريباً)، ونحن ندين له بمكتبة ثمينة تجمع بين ملاحظاته عقب قراءة العديد من مؤلّفات الكتّاب المهرطقين والمسيحيّين. وعادت بيزنطة فجدّدت علاقتها بتاريخها واستمرّت حركة التجديد. وتميّز القرن العاشر بالنشاط المزداد حول الإمبراطور قسطنطين البرفيري (حكم 913- 959)، وهو صاحب مؤلّفات سياسيّة. وقد قُدّمت إليه مختارات تقنيّة كما جُمعت نزولاً عند طلبه مجموعة مقتطفات من عدّة مؤرّخين. في حين تجسّد الفنّ الأدبي التاريخي بجوزيف جينيسيوس الذي دعمه الإمبراطور إلى جانب كتاب Continuation de Théophane الذي شارك فيه بنفسه. أمّا بالنسبة إلى سير القديسين المهينمة وقتذاك، فهي لم تغِب عن اهتماماته.

أمّا عهد باسيليوس الثاني (حكم 976-1025)، فعلى الرغم من أنّه أقلّ إنتاجاً غير أنّه شهد كتاب عالم روحاني كبير هو سمعان اللاهوتي الجديد. كما يعود كتاب "حياة برلعام ويوشافاط" وهي نسخة يونانيّة عن حياة بوذا، إلى المرحلة عينها. ثمّ ازدهر الأدب البيزنطي بعد أواسط القرن الحادي عشر مع ميخائيل بسلّوس (1018-1078 تقريباً) وهو فيلسوف وخطيب، مؤلّف سلسلة أحداث زمنيّة أثراها بذكرياته الخاصة. غير أنّ تلميذه يوحنا إيتالوس قد أدين من قبل الكنيسة ويبيّن هذا الحكم أنّ أطر حريّة المثقّفين إنّما كانت محدودة. فيما شهد قرن الكومنينيّين إنتاجاً أدبيّاً غنيّاً ومتنوّعاً، مع إعادة إحياء الفنّ السردي. وازدهر فنّ الفصاحة فيما تطوّر التعليم. كما أنّها المرحلة التي شهدت ظهور ملحمة ديجينيس أكريتاس، وهو بطل الحدود العربيّة. وتبقى أهمّ شخصيّة في نهاية القرن، العالم يوستاثيوس، أسقف سالونيك، وقد علّق على كتابات هوميروس وبنداروس وأريستوفانوس، فيما كتب عدّة مؤلّفات ومن بينها قصّة عن احتلال عاصمته. وجسّدت آنا كومنينا الفنّ التاريخي، فأرّخت "الألكسياد" لأبيها ألكسيس الأوّل. أمّا بالنسبة إلى ثيودوروس برودروم، وهو صاحب قصّة سرديّة ورسائل وأشعار، بعضها باللغة اليونانيّة العاميّة، فهو يمثّل فئة الكاتب الجديد الشبه محترف.

بعد سقوط القسطنطينيّة في العام 1204، التجأت الحياة الثقافيّة إلى إمبراطوريّة نيقية، حيث أكمل نيكيتاس كونياتس كتابه التاريخي، الذي كرّسه للمرحلة الممتدّة بين 1118 و1206. مع الدعم الملكي، تمكّن علماء على مثال نيسفوروس بليميديس، أو جورجيوس أكروبوليتس من إعادة إحياء العلوم والادبيات، وبعد إعادة الغزو في العام 1261، أمّنوا الصلة مع القسطنطينيّة في عهد آل باليولوج، وقد كانت مركز ازدهار فريد. فيما مثّل جورجيوس باشيمير إلى جانب ثيودوروس ميتوشيتس، رجل الدولة والعالم الموسوعي، النهضة الأدبية المسيحيّة. كما ترك العالم نيسفوروس غريغوراس قصّة للأعوام 1204-1359 في حين أرّخ الإمبراطور يوحنّا الرابع كانتاكوزينوس، بعد تخلّيه عن الحكم مذكّراته التي يبرّر فيها حيثيّات حكمه. وقد شارك كلاهما في نزاع حول بالاماس وهو صاحب أدب وفير مثير للجدل. فيما تفرّد مكسيموس بلانودس (1255- 1305 تقريباً) في سعة العلم إلى جانب الترجمات من اللاتينيّة. وانفتح العالم البيزنطي بالفعل على التأثيرات الغربيّة، كما تشهد روايات هذه المرحلة. فيما تطوّرت الحياة الثقافيّة خارج العاصمة: في ميسترا (البيلوبونيز)، جذب الفيلسوف جمستس بليثو الأتباع اللامعين. ولم يشكّل غزو القسطنطينيّة في العام 1453 النهاية: إذ أرّخ أربعة مؤرّخون ما جرى (دوكاس، كريتوبولس، وكالكوكونديليس وسفرانتزس)، في أساليب مختلفة، في حين استمرّ جورجيوس سكولاريوس وهو بطريرك القسطنطينيّة عمله اللاهوتيّ.

لا يشكّل الأدب البيزنطي مجموعة مقفلة. ففي حين تأثّر في بعض الأحيان بالتيارات الشرقيّة، انفتح على الغرب في القرون الأخيرة. كما أنّه نقل إرثاً مضاعفاً: ففي الأوطان الأرثوذكسيّة، ساهم في قيام الأدب الديني، في حين استفادت النهضة الغربيّة من المخطوطات والمعارف المتنوّعة لمثقّفيه.