طبعت أواخر العصر القديم تغيرات عميقة للوضع في المتوسط، كان لها نتائج على الملاحة البحرية. بقيت تسيطر على الإمبراطورية الرومانية المتأخرة ولغاية القرن السادس، الملاحة عبر الطرق البحرية الكبرى التي كانت تربط بين أراضي زراعة القمح في المتوسط والعواصم الرومانية. كان نظام الضرائب يقضي بنقل الحبوب والمنتجات التي يستهلكها السكان بكميات كبيرة مثل النبيذ، عن طريق البحر وصولاً إلى روما ثم باتجاه القسطنطينية التي أُسست عام 330، وذلك بواسطة سفن تتمتع بسعة كبيرة جداً. وكان هذا النظام يشكل جزءاً أساسياً من التجارة البحرية، إذ كانت السفن تنطلق بأعداد كبيرة من قرطاج حيث يصل القمح التونسي ومن سيراكوزا حيث تقوم بتحميل قمح صقلية والإسكندرية وهو مرفأ شحن لمنتجات وادي النيل، لتتجه إلى العواصم الكبرى. وتسلك أيضاً هذه الطرق البحرية الأساسية، سلسلة من السفن التي تزود بالمؤن مدن الإمبراطورية الأكثر سكانا. إضافة إلى ازدهار تجارة إقليمية ناشطة ونقل الركاب، أصبحت هذه الطرق تربط بين الجزر والمرافئ على طول السواحل. ولكن من المستحيل معرفة حجم البضائع، فأن اكتشاف الحطام والجرار والسيراميك والنقود والأختام هي التي تسمح بتقدير منشأ واتجاه الحمولات التي كانت تنقلها القوارب الساحلية إلى السفن الكبيرة المعدة لتجميع المحاصيل العامة.
مع أزمة القرن السادس والتغيرات التي نجمت عن الفتح العربي، اختفت كل هذه المراكب والمعلومات المادية التي تعطيها حول الملاحة. من جهة أخرى، ظهرت بعض التبدلات في مصادر أخرى. ففي نهاية القرن السابع أو في القرن التالي، شكل اندماج القوانين البحرية التي تعرف بقوانين رودوس البحرية والتغيرات التي طرأت على بناء السفن بطريقة أكثر اقتصادية، بوادر واضحة لأشكال جديدة من الملاحة تتلاءم مع الوضع السائد في حينها والمتمثل باختفاء بحر موحد وبالتغيرات الاقتصادية. فأصبحت الملاحة تتكيف مع المعطيات حيث استُبدلت الطرق الكبيرة بالمسافات القصيرة والمتوسطة مع استعمال سفن أصغر تتميز بجؤجؤ منحني يخولها الجنوح على الشواطئ والموانئ، بعد قطع مسافات لمدة لا تفوق اليوم الواحد. ويحتوي كتاب المحافظ للإمبراطوريين البيزنطيين على بعض البيانات والأدلة المفيدة لمنطقة المضيقات، مثل المواشي التي كان يتم نقلها من المنطقة البيثينية وبفلاغونيا باتجاه العاصمة. وكذلك السفن القادمة من تساليا وبلغاريا ناقلة النسيج ومنتجات أخرى أولية. نتيجة لذلك، أصبحت السفن مراكز للإقامة الدائمة بالنسبة للملاحين حيث كانت تتضمن مثلاً مساحات خاصة بالمطابخ. لكن على الرغم من أن هذه السفن لم تكن بحجم وحمولة تلك التي كانت تُستخدم لتجميع المحاصيل، فإن عبور المسافات مباشرة لم يتوقف بشكل نهائي.
وبهذا الصدد، تشير بعض المصادر العربية ومخطوطات البردي المصرية من القرن الثامن إلى قدوم عدة سفن من كافة بلدان المتوسط إلى الإسكندرية، حتى بعد الفتح العربي والتي كانت أحياناً تعبر دون توقف من إشبيلية في المتوسط إلى المرافئ السورية، وذلك في أفضل فترة بين شهري أبريل وسبتمبر. وكانت السفن البيزنطية الطويلة تربط مباشرة بين العاصمة وصقلية. لكن الأوضاع في القرون الوسطى المتأخرة وضعت حداً نهائياً للطرق التجارية الكبيرة التي كانت سالكة تحت الإمبراطورية الرومانية، فاتحةً المجال أمام شبكة تنظيمية جديدة.
ترك علماء الجغرافيا العرب مثل ابن حوقل (حوالي عام 970) والبكري (عام 1096) أو الإدريسي (حوالي عام 1054) آثاراً تدل على طرق الملاحة البحرية، وهي مستمدة من مصادر خاصة بالملاحين. فمنذ القرن العاشر، عند بدء ازدهار الملاحة البحرية في المتوسط، ازدهرت المرافئ الممتدة على طول الشواطئ الداخلية تقريباً، مخولةً السفن التوقف للاستراحة كل مساء، بعد "يوم" طويل من الملاحة (مسافة 50 كلم تقريباً). وتعكس هذه الكثافة في المحطات الخاصة بالسفن، ازدهار الملاحة حيث يشير هذا النوع من السفر إلى أن انهيار المرافئ التي تم بناؤها هو أكثر من انهيار اقتصادي فقط. غير أن بعض الطرق المميزة ظهرت في هذه الفترة. منذ النصف الثاني للقرن التاسع، بات ملاحو البلاد الإسلامية يجوبون المسافة التي تفصل بين مرافئ جنوب شرق إسبانيا وتلك الواقعة على سواحل المغرب الوسطى. إنهم الملاحون نفسهم، أي القراصنة، الذين قاموا باجتياح السواحل المسيحية من كاتالونيا إلى الأدرياتيكي.
إن التجار الأندلسيين هم على اطلاع جيد بالرياح والتيارات التي دفعتهم من جزر البليار باتجاه صقلية، ومنها إلى تونس وأخيراً إلى طول سواحل المغرب أو حتى أيضاً إلى مصر. في القرن الحادي عشر، كانت رسائل التجار اليهود من جينيزاه القاهرة، تحتوي على خرائط مماثلة، مع أفضلية للطرق المباشرة باتجاه المرافئ الكبرى في بلاد الإسلام : فمن الإسكندرية التي تنوب عن العاصمة المصرية ومن المحيط الهندي عبر البحر الأحمر، إلى المهدية أو باليرمو أو ألميريا، أكبر مرفأ في المتوسط الإسلامي للغرب، قبل نهب جنوه عام 1147.
بعد أن استعاد البيزنطيون جزيرة كريت عام 961 ثم قبرص بعد أربع سنوات، قاموا بحماية بحر إيجيه وجعلوا من البحر الأسود في الوقت نفسه، إحدى أعظم طرق الملاحة البحرية. فأصبح القمح يمر عن طريق الدانوب باتجاه القسطنطينية لكن الأناضول ثم البلقان، كامتداد لإغناطيا، شكلا هما أيضاً طريقاً لتصريف المنتجات المنقولة عبر الطرق التي تقود إلى المرافئ الكبرى مثل سالونيك. أما المناسك الكبيرة مثل أتوس، فكانت تملك أسطولاً خاصاً بها للتجارة الإقليمية.
ساهم ازدهار التجارة اللاتينية وخاصة عبر المرافئ الإيطالية الكبرى، لا سيما ابتداءً من القرن الثاني عشر، في تعزيز المسافات الطويلة. فإن ازدياد الحمولة التي وصلت إلى كميات كبيرة مع السفن ذي الهيكل الدائري والصرح الخلفي، وتحسين التقنيات الخاصة بالأشرعة وباستعمال الدفة في الكوثل، قد أعطى الأفضلية في هذا المجال للاتينيين. فانخفضت تكلفة نقل الركاب والبضائع ابتداءً من أواخر القرن الحادي عشر. ومع العبور المكثف بين الغرب والدول اللاتينية الشرقية أو باتجاه المرافئ البيزنطية والإسلامية، أصبح سكان البندقية وبيزا وجنوه، ثم سكان البروفنس، يؤمنون كافة التنقلات منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر، غالباً ضمن مراكب (مودا muda بلغة البندقية). ولكن يمكن وصف هذا التنظيم بأنه "رأسمالي" في المرافئ الإيطالية الكبرى ثم في كاتالونيا التي أصبح سكانها يضاهون، لا بل يفوقون اللاتينيين في مجال التجارة. كذلك، إن تحسين نظام التجمعات مثل الكومندا (commenda) ثم ازدهار التأمين، دفع سكان البندقية وبيزا وجنوه إلى المخاطرة أكثر فأكثر. كما أن تكاثر الطرق الآمنة مثل تأمين البندقية لطريق الأدرياتيكي وخاصة القدرة المالية التي تتمتع بها هذه المدن الدول، سمحت بتأمين تمويل بناء السفن الذي كان يعتبر كنشاط خاص في مرافئ الصوريين، مخصص فقط لدولة البندقية، كما في بيزنطة أو في البلدان الإسلامية. وسمحت هذه القدرة الجماعية في المرافئ اللاتينية بصيانة الأسطول وتجديده، إضافة إلى أنها ساهمت في سيطرة هذه المرافئ على المتوسط، حتى ولو كانت المناطق الإسلامية قادرة على الملاحة، خاصة على طول السواحل الإفريقية وسواحل الشرق الأوسط.
وهكذا، تمت السيطرة على أهم الطرق التجارية منذ المرافئ الإيطالية الكبرى. كما كانت البندقية تؤمن المناوبة لعدة جزر (قرطبة وكريت ونيغروبون) لاسيما بفضل هجوم 1204 ضد القسطنطينية ولكنها سرعان ما واجهت منافسة جنوه الشديدة. لم يستطع البيزنطيون منع هؤلاء من النزول إلى بحر آزوف ليفتحوا طريقاً جديداً باتجاه سهوب آسيا الوسطى. لكن الهجومات المنغولية في القرن الرابع عشر ثم الفتوحات العثمانية للبلقان وبلاد الأناضول، وصولاً إلى مصر، إضافة إلى السيطرة على المناطق الشرقية والمركزية في المغرب وصولاً إلى الجزائر العاصمة، لم تتوصل إلى قلب الأوضاع التي كانت سائدة في القرون الوسطى، حتى ولو أن الأتراك كانوا يسيطرون على كافة الجزر الشرقية خافقين أمام مالطا. وبقيت الطرق التجارية الكبرى في المتوسط تحت سيطرة مرافئ ودول أوروبا، بما فيها من قبل الهولنديين في القرن السابع عشر ثم إنكلترا ابتداءً من القرن الثامن عشر. من جهة أخرى، رحبت المرافئ الشرقية الكبرى وأولها إسطنبول بالأوروبيين. فمنذ القرن العاشر، اعتاد التجار اللاتينيون على التواجد باستمرار في مرافئ الدول الإسلامية مثل الإسكندرية. كذلك، وبفضل الهدن والمعاهدات التجارية وإنشاء الفنادق في العواصم الكبرى والمرافئ الإسلامية الهامة، استطاعوا التوصل إلى الأراضي الإسلامية في الشرق والتي تشكل امتداداً لطرق الملاحة البحرية. وهكذا، وصل مستكشف البندقية، ماركو بولو في القرن الثالث عشر، إلى اللاذقية في سوريا حيث توصل سكان البندقية إلى توقيع معاهدات هامة مع المماليك، قبل سلوكهم طريق الحرير باتجاه العاصمة المنغولية لقوبلاي خان في الصين.
إن الحروب بين المسيحيين والمسلمين وأعمال القرصنة خلال فترة الاضطرابات لم تشكل عائقاً مهماً أمام التجارة، بقدر ما كانت مخاطر البحر تؤثر عليها. وفي حين سمحت التأمينات بتغطية حوادث البحر، كان شراء السجناء خاصة في عاصمة الجزائر وفي مالطا، يضفي على أعمال القرصنة طابعاً تجارياً. وهكذا، شكلت التجارة والملاحة البحرية في المتوسط، طوال القرون الوسطى وفي العصر الحديث، رابطاً أساسياً لم ينقطع البتة، بين ضفاف المتوسط.
| المشروع | معرض متنقل | زيارة افتراضية | كاتالوغ | روابط | حقوق النشر | اتصال | ![]() |
![]() |
![]() |
| حقوق الطبع قنطرة 2008-جميع الحقوق محفوظة |