بما أن الرقّ البشري كان يستمد مشروعيته من مصدرين اثنين هما الولادة في العبودية واسترقاق أسرى الحرب، كان لا بد للإسلام من التموُّن في البلدان المجاورة أو حتى النائية. كان السلاف يتوافدون من أوروبا الشرقية والوسطى والشمالية، متبعين اتجاهات مختلفة : إلى الشرق الإسلامي قدوماً من آسيا الوسطى والإمبراطورية الفارسية وبلاد ما بين النهرين أو إلى الغرب المسيحي الذي كان يرسل بعضاً منهم من ناربون أو من البندقية باتجاه مصر وسوريا، والبعض الآخر باتجاه بلاد الأندلس والمغرب. على الطريق، كان أسرى الحرب يرسَلون إلى مراكز مخصصة للخصي كان أشهرها يقع في منطقة فيردان. وكان التجار اليهود يحولون المحتجزين إلى مخصيين لبيعهم في إمارة قرطبة التي كانت تبيع بعضهم بدورها في الناحية الأخرى من البحر، إلى عدة بلدان للإسلام. أما الأتراك فكانوا بأغلبيتهم يتبعون من أوروبا الشرقية كما من سهوب آسيا الوسطى التي كانت تمتد حتى الصين، طريق الإمبراطورية الفارسية وبلاد ما بين النهرين، للوصول في أغلب الأحيان إلى سوريا ومصر حيث قاموا بتأسيس سلالة المملوك التي حكمت من 1250 ولغاية 1517. أخيراً، كان يتم نقل السود بواسطة العربات من أفريقيا باتجاه المغرب ومصر، أو بواسطة السفن إلى آسيا عبر البحر الأحمر وإلى خليج فارس. وكان يُنقل بعضهم إلى أديرة الأقباط في منطقة أسوان حتى يتم خصيهم بطريقة وحشية. إضافة إلى استيراد الرقيق بهذه الكثافة، كان يتم تزويد العالم الإسلامي برقيق من أسرى الحرب أو من مسافرين قبض عليهم القراصنة في عرض البحر. ثم كان يتم عرضهم للبيع في الأسواق حيث كانوا يقيَّدون مع وضع أيديهم وراء ظهورهم لمنعهم من الفرار. كما كان يتم جز شعر بعض منهم بحيث لا يحتفظون إلا بخصلة صغيرة تتدلّى على أحد الخدين.
كان الرقيق، شأنهم شأن الحيوانات، يُعتبرون سلعة رخيصة إذ كان يتم تصنيفهم حسب الأجناس. لم يكن أصلهم يساهم في تحديد السعر فقط بل أيضاً الاستعمال. بالنسبة للنساء، كانت اللواتي تنتمين إلى البربر مخصصات للذة والفارسيات للأمومة والبيزنطيات لحراسة الكلاب والزنجيات من سواحل أفريقيا الشرقية للرضاعة واللواتي يأتين من مكة والمدينة للغناء. أما الرجال، فكان يتم تخصيص النوبيين والهنود منهم لحراسة الأشخاص أو الممتلكات في حين يعَدّ الأتراك والسلاف كمحاربين. أخيراً، كان بعض أجناس الرقيق تثير الازدراء لا بل الاشمئزاز، على غرار الأرمن المعروفين بأسوأ نوع من البيض حيث غالباً ما كان يُفرض عليهم القيام بأعمال شاقة. حتى نسائهم لم تكن تصلح ولو للمتعة أو اللذة.
كانت زيارة الزبائن للأسواق تقتصر على معاينة البضاعة البشرية من خلال النظر إليها ولمسها فقط. كانوا يرفعون الشفة العليا للرقيق ويدخلون أصبعهم إلى فمهم للتأكد إذا ما كانت أسنانهم معوجة أو متلفة أو حتى مقلوعة كما لعد الأسنان المفقودة. كما كانوا يبصقون بوجه المرأة مباشرة ليمسحوا بشرتها بعد ذلك، مما يخولهم التأكد من أنها غير مطلية بمسحوق للتجميل يخفي شوائبها.
على الرغم من التحفظ الذي كان رجال القانون يفرضونه حيث كانت زيارة الزبائن تقتصر على رؤية وجه الرقيق وأيديهم فقط، كان بعضهم يدخلون أيديهم خلسة تحت ملابس الرقيق ليستكشفوا الأماكن الحساسة من أجسادهم ويلمسوها قدر ما يشاءون. كان الأكثر جرأة منهم ينزعون عن الرقيق الإزار الذي يغطي الأعضاء التناسلية ويجبرون أحياناً النساء على خلع ملابسهن كافة. فكان هذا الاستعراض الشهواني على مرأى وملمس الجميع، يجذب المسافرين والمارة المتعطشين لإشباع رغباتهم مجاناً.
لكن رؤية الرقيق فقط لم تكفِ لتخمين قيمة البضاعة. بهدف تجنب السرقة والخداع من قبل التجار، كان الزبائن يقومون بمعاينة دقيقة، بعيداً عن الأسواق المكتظة بالوفود والزبائن، في غرفة أو مسكن مجاور أو حتى في مكان إقامتهم. فكانوا يتأكدون من وجود غشاء البكارة لدى الفتاة العذراء من خلال لمسها أو من خلال تعيين امرأة للقيام بذلك، على منأى من الأنظار، تارة في نفس المكان تحت غطاء وطوراً في مكان آخر أكثر هدوءاً. كان الأكثر حذراً منهم يضغطون على العضو التناسلي للتأكد من أنه ليس مطلياً بمزيج من لب الرمان وجوزة الطيب المجبولة بصفراء البقر يعطي غير العذراوات منهن مظهر بكارة مؤقتة. أخيراً، كان يتم نقل الرقيق إلى منزل ما أو غرفة مجاورة أو حتى إلى مكان إقامة الزبون حيث كان هذا الأخير يزيل عنهم ملابسهم، على منأى من أي امرأة أو سيد المنزل أو تاجر الرقيق أو مساعدته. ومع ذلك، كان لا بد من تحول الحذر في بعض الأحيان إلى تهور تام إذ كانت الفتاة تستجيب للمتعة، أحياناً بموافقة التاجر وبلا علم البائع الذي كان ليخسر قيمة بضاعته من جراء حمل غير مرغوب أو عدم التمكن لاحقاً من بيع هذه البضاعة المخصصة للمتعة.
كان لا بد للزبائن الاحتراس من العلامات المزيفة الخاصة بهذه المهنة والتي تهدف إلى الاستفادة منهم، كملابس وأصابع الحدادين أو الناسخين المسودة إذ كان لا بد من تجربتهم قبل شرائهم. كان هناك عدة تجارب تتيح للرقيق المخصصين إظهار مهارتهم. فكان يفترض على الخياطين أن يخيطوا والخبازين أن يخبزوا والموسيقيين أن يعزفوا على آلاتهم والرقاصين إنجاز خطوات متتابعة خفيفة ورشيقة والطباخين تحضير أطباق مختلفة. أما الرجال فكانوا يظهرون قوتهم من خلال رفعهم لحمولات ثقيلة أو المصارعة وكان المحاربون المستقبليون يظهرون شجاعتهم في حال توجب عليهم مواجهة مخاطر مخيفة كرماية ثعابين مرعبة أو أجساد مدوخة.
كانت أعمال الاحتيال والغش شائعة جداً في الأسواق إلى درجة أن تاجر الرقيق كان ينهال على الكذابين بالشتائم. لذا، اعتاد التجار على إعطاء مصدر خاطئ لبضائعهم من أجل رفع أسعارها. ففي مصر، كانوا يدخلون بعضاً من أهالي البلاد إلى مجموعة الرقيق الآتية من تريبولي آسيا. وفي الأندلس، كانوا يجعلون بعض الجميلات من أهالي البلاد تتنكرن إلى فتيات أجنبيات يتكلمن لغتهن. هكذا، كان من الممكن تضليل بعض الزبائن الساذجين مثل هذا الرجل من إلفيرا الذي اقتنى في قرطبة إفرنجية لمتعته الشخصية والتي لم يمكن فهمها إلا بواسطة مترجم. ولكن، لدى عودته إلى المدينة، أفشت الفتاة عن نفسها إذ استهزأت بأحد الفاسقين الذي غاب عن نظرها. فهي لم تكن إلا من بنات هذا البلد.
كان الزبائن ضحايا لعدة مراوغات ومكايد إذ غالباً ما كانت مساعيهم تبوء بالفشل. فالبعض كان يكتشف أن الفتى الذي اشتروه حديثاً ليس إلا فتاة أو العكس، بيد أنه كان لكل جنس وظيفة معينة. كان يتم تخصيص النساء مثلاً للعمل الداخلي (الأعمال المنزلية والطبخ وأحياناً المتعة) وكان الرجال يهتمون بكافة الأعمال خارج المنزل. أما بعضهم الآخر، فكان يستنتج أن الرقيق كان رجلاً حراً أو لديه عيب معيق. فكانوا عندئذ يرجعون إلى السوق تارة لتخفيض السعر وطوراً لإعادة البضاعة واسترجاع ثمنها. وإذا لم يتم تسوية الخلاف بالطريقة الودية، كان يتم رفع القضية أمام العدالة. ولكن كان يمكن للقاضي رفض الشكوى التي يتقدم بها المدعي على غرار رفض سحنون المالكي الشهير إلغاء بيع رجل أعمى كان التاجر قد قدمه وكأنه "ثابت العينين" واقتناه بدوي جاهل اكتشف فيما بعد أنه أعمى. رافضاً مراجعة قراره، اعتبر القاضي أنه كان من واجب المتجول العربي من الصحراء أن يطلب من التاجر توضيح قوله المبهم وأن يسمح له بمعاينة الرقيق بحيث لم يكن من الممكن إخفاء عاهته. بمعنى آخر أكثر وضوحاً، وحده الأعمى يمكنه اقتناء أعمى آخر دون أن يعير أي انتباه لما اشتراه.
يوسف راغب
| المشروع | معرض متنقل | زيارة افتراضية | كاتالوغ | روابط | حقوق النشر | اتصال | ![]() |
![]() |
![]() |
| حقوق الطبع قنطرة 2008-جميع الحقوق محفوظة |