Qantara

الطقوس الجنائزية

بيزنطة

أولت شعوب شمالي شرقي الحوض المتوسّطي، المندرجة ضمن الإمبراطوريّة الرومانيّة ثمّ البيزنطيّة، أهميّة كبرى إلى الإجراءات الجنائزيّة. فلم يشكّل وضع الأموات في الأكفان مجرّد واجب عائلي محتّم على الوارث لكن فرضاً دينيّاً فائق الأهميّة. ويُعتبر الأموات الذين لم يقام لهم الطقس الجنائزي محكومين على الهيام بين العالمين، عالم الأحياء وعالم الأموات. فيقدّم الطقس الجنائزي بالتالي سبيلاً لحلّ خلل التوازن الذي يتسبّب به الموت، إن كان خلل التوازن الإجتماعي المنبثق عن غياب عضو من المجتمع، أو خلل التوازن الديني بين العالمين الحالي والآخر. وتفسّر أهميّته جزئيّاً حيثيّات الحفاظ عليه: يشكّل الطقس البيزنطي مزيجاً من التقاليد المتأتيّة من العصور الوثنيّة القديمة إلى جانب التقاليد المسيحيّة الأحدث، وذلك في خلال المراحل الثلاث الكبيرة التي تشكّل الجنائز.

من النفس الأخير حتّى السهرة المأتميّة

في بيزنطة، لا يشكّل الموت ظاهرة سريعة، بل على العكس إنها عمليّة متدرّجة تبدأ بانفصال النفس عن الجسد وتستمرّ حتّى مغادرة النفس عالم الأحياء. ويرافق الندب مختلف الطقوس التي تهدف إلى إعداد الجسد، فيما يشكّل النفس الأخير الإشارة إلى بدأ الطقس الجنائزي: فتُعلم نساء البيت الجيران عبر الندب الذي يطلقنه، وهو عبارة عن أناشيد شبه مرتجلة متقطّعة بالصراخ والبكاء. على الرغم من أنّ الإكليروس لا يحبّذ الندب غير أنّه يستمرّ في اليونان وتركيا وجزء من البلقان حتّى القرن العشرين. ثمّ تغسل نساء العائلة الجثّة بالماء والخمر ويعطّرنها. عندما يتواجد كاهن، يرشّ الجسد بالماء المبارك لتطهيره. ثمّ يُلفّ الميت، وهو يرتدي أحياناً ثيابه اليوميّة، بواسطة كفن من كتّان يرمز أيضاً إلى الطهارة. بعد أن تنتهي هذه الإعدادات، يتمّ البكاء والسهر مع الجثّة ليومين بعد الوفاة. تشكّل هذه المرحلة الوداع الأخير: فيوضع الميت مواجهة الباب، ويزوره أعضاء العائلة، ويتمّ تنظيم وليمة في حضوره.

الزَيّاح والدفن

تترافق دلالات من الجنائز القديمة والطقوس المسيحيّة البحتة في خلال الزياح. فتواصل النساء ندبهنّ ويرافقنه بحركات تشويه ذاتي: يتمّ تمزيق الوجه والصدر، ويفلت الشعر وينتف، وتبقى اليدان ملتويتين ممدودتين نحو السماء(1). وكعناصر جديدة، يحمل المشاركون شموعاً وأوراق نخيل، وهي رموز للفردوس المسيحي. كما يشمل التقليد المسيحي استخدام البخور كرمز إلى العطر السماوي، بأمل رؤية خلاص الميت.

يتوقّف الزياح عند بلوغ الكنيسة، ولا يدخل إليها الأقارب المقرّبون: فهم يبقون بعيدين طوال وقت الجنّاز. تتمحور خدمة الجناز حول إنشاد المزامير التي تتلو معجزات العهد القديم، فيطلب المؤمنون بالتالي تجدّد معجزة الخلاص بالنسبة إلى الميت. وتعيد الأيقونات الجنائزيّة هذه المواضيع وتضيف إليها معجزات العهد الجديد: يترافق إحياء لعازار مع دانيال الذي رفقت به الأسود. (3). ويتشارك الموجودون عندذاك الطعام الجنائزي المصنوع من القمح والجوز ويقال له "كولّيفا" وهو يُحضّر يوم الممات. كما أنّهم يتشاركون الطعام نفسه على القبر وفي خلال حفلات التأبين.

يشكّل الوصول إلى القبر قمّة الندب، وغالباً ما يوضع الجسم في الأرض مع تقدمات جنائزيّة. فنجد، كما في العصور القديمة، حلي لا بدّ أنّها كانت تخصّ الميت. كما توضع أغراض استخدمت في الطقس الجنائزي على مثال آنية صغيرة تحوي الطيب والحنوط (2)، بالإضافة إلى أغراض الوليمة، وهي طقس التأبين الأساسي: أباريق وآنية خمر وحتّى قدور، وصحون وأكواب، ربّما ليتمكّن الميت من المشاركة في طقوس التأبين المستقبليّة التي تدعوه من وراء القبور بشكل دوري. بيّنت تنقيبات أثريّة في جزيرة ثاسوس أنّه يمكن تغطية الميت بأعشاب مقطوعة حديثاً، ربّما ترمز إلى دورة الحياة والموت. أخيراً، توضع في القبر أغراض تسهّل الإنتقال إلى العالم الثاني. ومن أكثرها شيوعاً، قطع نقديّة، على مثال الفلس اليوناني القديم الذي كان يقدّم إلى كورون لتسديد رسوم إنتقال الميت. كما يوضع رمز الصليب، إذ يقال إنّه يبعد الشياطين التي تتوافد لتتقاسم نفس الخاطئ، في خلال الساعات التالية للوفاة، وهو وقت خطير للغاية إن بالنسبة إلى الميت أو الأحياء. وسرعان ما يتحوّل الصليب ليصير الرمز الجنائزي الأكثر استخداماً لحماية القبر وتقديسه. وتختتم وليمة على القبر الجناز، وهو طقس يتكرّر مراراً لاحقاً، ويهدف إلى تنسيق العلاقات بين الميت والأحياء.

رسوم التأبين

        تكمن الميزة الأكثر دلالةً في الطقس البيزنطي في بطء إجراءات الدفن والتأبين. فمنذ العصور القديمة، بقي التقسيم على ذاته تقريباً. تُقام زيارة القبر، حيث يتقاسم الموجودون الطعام الجنائزي، في اليوم التاسع والحادي عشر، والثلاثين أو الأربعين، ثمّ بعد مرور سنة (4). في حين يصير يوم الوفاة ذكرى التأبين، التي يحتفى بها كلّ سنة، وتُعاد فيها الوليمة على القبر والندب. يمكن أن نفهم هذه الظاهرة على أنّها تعكس بطء عمليّة "الموت" البيزنطي. كما يمكن تفسير تواتر مراحل الدفن وتكرارها وفق الأهميّة التي يمثّلها بالنسبة إلى النساء، وهنّ الأعضاء الأهمّ فيه. ففي حين أنّهنّ عادةً ما يكنّ ممنوعات عن الكلام علناً، تسنح لهنّ رسوم التأبين الفرصة للتكلّم جهراً.

العلاقات الدائمة بين الأحياء والأموات

في النظريّة المسيحيّة البيزنطيّة، يُفترض بالأموات أن يحافظوا على شبه نشاط في شكلهم الجديد، بانتظار الدينونة الأخيرة، حتّى وإن كان الرقاد يمثّل أحياناً حالتهم. في أثناء وقت الإنتظار، يمكن أن يحصد الأموات الصلوات والتقدمات التي يرفعها الأحياء عنهم. كما يمكن للأموات، لا سيّما إذا كانوا من القدّيسين، التشفّع للأحياء، ودفعهم إلى التوبة قبل الموت المفاجئ الذي يعلنوه لهم عبر ظهورهم. وتُنظّم هذه العلاقات في طقوس تشرف عليها الكنيسة، ضمن قداديس أو صلوات عن راحة نفس الموتى، وطلبات الشفاعة التي تقدّم إلى القدّيسين أو الشهداء، في الأغلب لدى الحجّ إلى قبورهم. فنرى بالتالي قيام نوع من الترابط بين الأحياء والأموات.

وتموّل العائلات الكبيرة الجماعات الرهبانيّة وتطلب إليها الصلاة من أجل روح الموتى والاحتفال بذكراهم بوقار عبر إحياء ذكرى وفاتهم سنويّاً.

إنّ غنى الطقس الجنائزي البيزنطي، الذي يحافظ على ممارسات قديمة إلى جانب الجديدة منها، يتناسب وفكرة التواجد الدائم للموتى في عالم الأحياء، أكانوا من القدّيسين أم لم يكونوا.

هامش


1-    منمنمة من مخطوطة Vienne, Nationalbibliothek, Theol ; gr. 31, Fol ; 24 v، موت يعقوب ودفنه. (droit : publié par H. Mac GUIRE «  Sorrow in Middle Byzantine Art ». Dumbarton Oaks Paper, XXXI, 1977, ill. 54.).

2-    حافة ملوّنة من لحد رقم 15 في سالونيك، من القرن الرابع أو الخامس: دانييل في حفرة الأسود، الجهة الغربيّة. E. MARKE Η νεκροπολη της Θεσσαλονικης στους υστερρορομαἷκους καὶ παλαοιχριστιανικοῦς χρονους Athènes, 2006.

3-    تقديمات وأغراض جنائزيّة: إناءات جنائزيّة للماء والطيب موضوعة في قبور القرون المسيحيّة الأولى في مقبرة فورفاشي في أثينا. المتحف البيزنطي في أثينا (D. Konstantios, The World of the Byzantine Museum Athènes, 2004)

4-    مشهد من الطقس الجنائزي عند القبر، سالونيك قبر رقم 52. E. MARKE Η νεκροπολη της Θεσσαλονικης στους υστερρορομαἷκους καὶ παλαοιχριστιανικοῦς χρονους Athènes, 2006.