يشير لفظ الرّاهب إلى مَن انقطع عن العالم ليكرس حياته لله والصلاة والتأمّل. وفي الإنجيل، أعطى المسيح مثالاً على العزلة إذ اعتكف في البرية لأربعين يوماً. هذا وكان التيار الإسّيني في اليهودية (القرن الثاني قبل الميلاد – القرن الأول للميلاد) قد أدى إلى تشكّل جماعات من المعتكفين الذين مارسوا حياة دينية صارمة. ومع انتشار المسيحية في القرنين الثالث والرابع، تطورت الحياة الرهبانية سريعاً ولا سيما في الأراضي المقدسة ومصر، وذلك في صيغتَين وهما، الناسك أو الحبيس الذي اختار الحياة المنفردة والعزلة التامة مثل مار أنطانيوس من جهة. وراهب الدَّير الذي يعيش عيشة مشتركة في الدير بعيداً عن العالم مثل القديس باخوميوس والقديس باسيل القيصري من الجهة الأخرى.
بدايات الرهبنة في الغرب
دخلت الحياة الرهبانية إلى بلاد الغال على يد القديس مارتين في ليجوجيه (في وسط غرب فرنسا الحالية) حوالي سنة 361، ثم على يد القديس هونورا في أرخبيل ليرين (مقابل مدينة كان الحالية) والقديس جان كاسيان في مرسيليا في بدايات القرن الخامس. وكما في الشرق، وضعت هذه الجماعات الرهبانية قوانين تنظيمية متنوعة. وقد ترك جان كاسيان على سبيل المثال عدداً من المؤلفات ومنها « مؤسسات الرهبنة الدَّيري »، والتي كان لها كبير الأثر في الغرب. وتتلخص أسس الرهبنة في العزوف عن العالم والفقر والتواضع والتقشف والصلاة والعفة والسكون والطاعة لرئيس الدير الذي اختاره الرهبان. هذا ولا يُرسَم الرهبان كهنةً لكنهم يؤدون نذوراً احتفالية.
وفي القرن السادس، انكب القديس بندِكتوس النُّرسي (480-547) على وضع قانون واضح وعملي في 73 مادة، موجه لديره في جبل كَسّينو، مستعيداً ومبسطاً القوانين السابقة مثل قانون المعلّم. ووضع هذا القانون الجديد إيقاعاً لأوقات الرهبان مع الاحتفالات الطقسية والقراءة والتأمل الفرديين (lectio divina) والعمل اليدوي. وعلى الرغم من النجاح الذي لاقته الحركة الرهبانية الايرلندية الصارمة التي أدخلها إلى القارة الأوروبية القديس كولومبانو في نهاية القرن السادس، فإن قانون القديس بندِكتوس (القانون البندكتي) الذي ظل مجهولاً حتى وفاة صاحبه، حظي بمباركة ودعم البابا غريغوريوس الكبير (590-604) ولا سيما في الجزر البريطانية حديثة العهد في المسيحية، وانتشر شيئاً فشيئاً في مجمل غرب أوروبا. وكانت الحركة الرهبانية الايرلندية قد تراجعت في بلاد الغال تحت حكم الميروفنجيين، إذ كان الملوك والأمراء يتدخّلون في تعيين رؤساء الأديرة – الذين كانوا غالباً من المدنيين، كما وضعوا يدهم على أملاكها. لكن موقف الملوك الكارولنجيين انطلاقاً من سنة 751 أعطى زخماً جديداً للحياة الرهبانية، بينما فرض القانون البندكتي نفسه عليها.
إصلاح الحياة الرهبانية في عصر الكارولنجيين
أدى عمل بندكتوس الأنياني مستشار الامبراطور الكارولنجي لويس الورِع في بداية القرن التاسع إلى سلسلة من الإصلاحات على الحياة الرهبانية. فجرى تعميم القانون البندكتي. واضطلع سينودُس الأساقفة المنعقد في إكس-لا-شابّيل في سنتي 816 و 817 بإعادة تنظيم حياة الرهبان والكهنة القانونيين تحت سلطة الامبراطور. فأصبحت الطقوس أكثر تعقيداً وصارت تلاوة صلوات السواعي محطات يومية في حياة الراهب. وفي نفس الوقت جرى التفكير في كيفية ترتيب الأديرة الرهبانية التي بدأت تُنظَّم على نحو وظيفي. وها هو مخطط سان-جال الذي أُرسِل إلى رئيس الدير من أسقف بازل المقيم في دير ريشنو سنة 820، مستعيداً المخططات التي وُضعت على يد حاشية الامبراطور لويس الورِع والتي اقترحت مخططاً نظرياً لتنظيم بناء الدير حول صحن مركزي تحاذيه الكنيسة من الناحية الشمالية على العموم. ومن الناحية الشرقية، ثمة البناء المخصص للقراءة ونسخ الكتب/المكتب (scriptorium) يعلوه مهجع للنوم. ثم أُضيفت لاحقاً بين الكنيسة والمكتب قاعةُ المَجمَع حيث كانت تُقرأ فصول القانون الرهباني المتّبع وحيث نوقشت شؤون الدير والمسائل المتعلقة بالانضباط والنظام. أما على الجهتين الجنوبية والغربية من صحن الدير، فثمة قاعة الطعام وبيت المؤن. وكل هذه الأبنية خضعت لقاعدة الإغلاق، فلم يكن يجوز للراهب أن يغادر هذا المجمّع دون إذن صريح من رئيس الدير، كما لم يكن يحق للمدنيين الدخول إليه. هذا وقد خُصّص بناء خارج هذا الإطار لاستقبال الضيوف، كما كان هناك أبنية لرئيس الدير وللرهبان المرضى والعجزة وللرهبان المبتدئين. وكان هنالك أيضاً أماكن للنشاط الاقتصادي. ومنه تلك الهيكلية التي ميّزت الأديرة في الغرب التي تتناقض مع بنية الأديرة البيزنطية. وأخيراً، أُحيطت الأديرة بأسوار عازلة إن كان في المدن أو في القرى. وتطورت عند هذه الأسوار ضواحٍ جديدة بفضل النشاط الاقتصادي الذي يولده الدير.
وفي عهد الكارولنجيين، ظهرت أيضاً مؤسسة الكهنة القانونيين، إذ قام القديس شروديجانج أسقف ميتز في القرن الثامن بتنظيم حياة الكهنة الذين من حوله في جماعة من الكهنة القانونيين المرتبطين بالعيش المشترك. لكن هؤلاء الكهنة لم يخضعوا لقاعدة الإغلاق إذ كان من واجبهم أداء وظيفتهم الكهنوتية إلى جانب المؤمنين. كما كان يحق لهم الاحتفاظ بأملاكهم لأنهم لم يؤدوا نذر الفقر. ولم يكن القانون البندكتي ملائماً لهم. فوُضع قانون جديد انطلاقاً من التوجيهات الواردة في مؤلفات القديس أغسطينس، فيما دُعي بالقانون الأغسطيني. وتم الانتهاء كلياً من تنظيم حياة الكهنة القانونيين خلال سينودس إكس-لا-شابّيل سنة 816. وهكذا بُنيت في محاذاة الكاتدرائيات أبنية مخصصة للقانونيين.
العصر الذهبي للحركة الرهبانية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر
يُعتبر دير كلوني الذي أسسه دوق الأكيتين غليوم الورِع والأب برنون بين سنتي 909 و 910 مثالاً على الازدهار الجديد الذي عرفته الحركة الرهبانية خلال العهد الإقطاعي. وقد أتى نجاح هذا الدير بفضل ارتباطه المباشر بروما، مما حفظه من تعسف المدنيين والكهنة المحليين، وكذلك بفضل الشخصية الاستثنائية التي تحلى بها رؤساؤه الأوائل. وقد وُضعت في دير كلوني هذا طقوس جديدة، لا سيما فيما يخص ذكرى المتوفين. كما اضطلع الكلونيّون بالتعبير عن الجمال والتناغم من خلال إنجازاتهم المعمارية ومنحوتاتهم ومخطوطاتهم وموسيقاهم. فالجمال الأرضي كان تعبيراً عن الكمال الإلهي وفقاً للتصورات الأفلاطونية المحدثة. وصار ديرنا في القرن الحادي عشر على رأس مجموعة من أكثر من ألف دير، وشارك مشاركةً فاعلة في تنصير اسبانيا على إثر إخراج المسلمين منها.
هذا وازدهرت رهبانيات أخرى في القرن الحادي عشر، مما يشهد على حيوية الحياة الروحية، مثل رهبانية فالومبروز التي أسسها جان جالبير ورهبانية غراندمونت التي أسسها اصطفان دي موريه ورهبانية الكرتوزيين التي أسسها القديس برونو ورهبانية فونتفرو التي أسسها روبير داربريسّيل. وقد دمجت بعض الرهبانيات، مثل رهبانية الكرتوزيين، بين الحياة النسكية والحياة المشتركة. كما رأت النور معاهد للكهنة القانونيين النظاميين رداً على كهنة المجامع الكاتدرائية الذين نُعتوا بالكهنة الدهريين لأنهم لم يعودوا يمارسوا الحياة المشتركة وأصبحوا شخصيات هامة لها دور في انتخاب الأساقفة وفي المضمار السياسي. أما الكهنة النظاميين فقد قطنوا في الضواحي وأدوا واجبهم الرعوي مع الإبقاء على الحياة المشتركة.
وقد عرف دير سيتو الذي أسسه روبير دي موليسم سنة 1098 ازدهاراً حقيقياً مع انضمام القديس برنارد دي كليرفو وحوالي ثلاثين من النبلاء البورجنديين سنة 1112. وعاشت رهبانية سيتو أوجها في القرن الثاني عشر. وهي رهبانية اعتمدت في الأصل على القانون البندكتي، لكنها أضافت عليه نصوصاً (مثل ميثاق المحبة والإحسان) وأعرافاً جديدة أضفت عليها خصوصية مميزة. ورداً على الكلونيين، أعاد رهبان سيتو إلى العمل اليدوي شرفه، وطلبوا مساعدة الأخوة المدنيين، وهم مجموعة جديدة من المقيمين في الأديرة والذين سمحوا بتوسيع الاستغلال الاقتصادي للأديرة ومحاصيلها. كما قام رهبان سيتو بتبسيط الطقوس وبتعزيز فكرة التقشف والزهد والبساطة التي انعكست في صرامة الحياة في الدير. هذا واختفت الصور والأيقونات المنحوتة والمرسومة، لأنها تشتت ذهن الراهب وتلهيه عن الصلاة والتأمل. ونُظمت الأديرة تنظيماً تراتبياً هرمياً وكأنها عائلة، فكان دير سيتو هو الدير الأم التي ترعى بناتها الأربع. وكان يحق لرؤساء هذه الأديرة الأربعة أن ينظروا أيضاً في شؤون الدير الأم. وأسس كل دير فرعي أديرة فرعية قامت بدورها بتأسيس أديرة أخرى إلخ. وكان هناك اجتماع سنوي لرؤساء كافة هذه الأديرة في سيتو. وقد اعتُمد هذا التنظيم الرائع في رهبانيات أخرى ولا سيما لدى البندكتيين.
الرهبانيات المتسوّلة : شكل من الأشكال الجديدة للحياة الدينية
مع توسع المدن في القرن الثاني عشر، لم يعد بإمكان الرهبان المنقطعين عن العالم أن يضطلعوا بتلبية احتياجات المجتمع الباحث عن التأطير الروحي. فظهرت أشكال جديدة للحياة الروحية على عتبة القرن الثالث عشر، ومنها الرهبانيات المتسولة التي ضمت رهباناً وليس نسّاكاً، عاشوا في أديرة ومارسوا الفقر الجماعي (وليس فقط الفقر الفردي كالنساك الذين كانت أديرتهم غنية جداً)، ومنه اسم هذه الرهبانيات التي اعتاش أعضاؤها من الصدقات والأعمال الصغيرة وفقاً للمبادئ الإنجيلية في الفقر والتواضع. ويُعتبر القديس فرنسيس (1181-1226) مؤسس جماعة الأخوة الأصاغر أو الرهبان الفرنسيسكان مثالاً على هذه الحركة، إذ انحدر من عائلة بورجوازية غنية من أسّيزي واختار التخلي عن كل شيء ودعا ومواطنيه إلى احتذاء حذوه في الفقر. وقد وافق بابا روما على هذه الحركة سنة 1209 فقامت هذه الرهبانية مع الوقت بوضع قانونين لنفسها في سنتي 1221 و 1223. وهناك أيضاً القديس دومينيك (1170-1221) الذي كان كاهناً قانونياً ولاهوتياً، وعظ ضد الحركة الكاثارية، وهي هرطقة ظهرت في جنوب فرنسا. وقد أسس رهبانية الأخوة الواعظين أو الدومينيكيين بين سنتي 1215 و 1219 وخصّهم بقانون. والدومينيكيون هم كهنة منكبّون على الدعوة واللاهوت وتأطير النفوس. وهم يتخلون عن أملاكهم المادية. أما رهبانية الآباء الكرمليين فقد انطلقت من الأراضي المقدسة وأسسها القديس آلبرت بطريرك القدس سنة 1206. وعلى إثر اندحار القلاع اللاتينية في الشرق، استقر الكرمليّون في الغرب وأعادوا تنظيم رهبانيتهم مرتين في سنتي 1247 و 1252. والأخوة النسّاك أو الأغسطينيين انبثقوا من جهتهم عن حركة نسكية في وسط إيطاليا وأصبحوا رهبانية متسولة سنة 1256 واعتمدوا قانونهم في نهاية القرن الثالث عشر. ورغبة منه في الحد من ازدهار هذه الحركات بشكل عشوائي، قرر مَجمَع ليون سنة 1274 بالتوقف عند هذه الحركات الأربع. وفي نهاية العصر الوسيط، تجمّع المدنيون في المدن في أخويات رجالية ونسائية بحثاً عن طرق جديدة نحو الإله. وفي سنة 1540، قام إغناطيوس دي لويولا بترسيخ أسس جماعة يسوع أي اليسوعيون الذين شكلوا رهبانية جديدة كان لها مستقبل واعد، وكانت شاهداً على حيوية المسيحية الغربية التي لم تتوقف عن السعي وراء طرق جديدة نحو الخلاص.
| المشروع | معرض متنقل | زيارة افتراضية | كاتالوغ | روابط | حقوق النشر | اتصال | ![]() |
![]() |
![]() |
| حقوق الطبع قنطرة 2008-جميع الحقوق محفوظة |